دعوى أن ابن تيمية شخصية جدلية دراسة ونقاش (الجزء الأول)
مركز سلف للبحوث والدراسات • الفرق والمذاهب
وبهذا دخل ابن تيمية في البناء المعماري لأصول المذهب الحنبلي، ومعلوم أن المذهب الحنبلي أحد المذاهب الأربعة المعتبرة في الأمة الإسلامية، فإسقاط ابن تيمية هو إسقاط لأحد أعمدة المذهب وموارده بلا ريب.
أما قول القائل: لو كان الحنابلة يعتبرون ابن تيمية أعلمهم، فلماذا لم يعتمدوا عليه وحده ويجعلوا اجتهاداته هي معتمد المذهب بدلًا من جعله أحد رجال الترجيح؟
والجواب: أن هذا غلط من قائله؛ وذلك لأن المذهب مبني على تحرير قول الإمام أحمد لا على قول ابن تيمية، ولا يجوز نسبة قول إمام مجتهد إلى إمام مجتهد آخر، وإلا كان هذا من قبيل نسبة الأقوال إلى غير قائليها.
والحنابلة يعتبرون ابن تيمية ممن وصل إلى رتبة المجتهد المطلق، وقد ذكر هذا الإمام المرداوي في مقدمة كتابه (الإنصاف) حيث قسَّم المجتهدين إلى أربعة أصناف، ولما أراد التمثيل للقسم الأول -أي: المجتهد المطلق- مثَّل بابن تيمية، ولم يذكر أحدًا غيره، فتأمل.
قال المرداوي رحمه الله: “واعلم أن المجتهد ينقسم إلى أربعة أقسام: مجتهد مطلق، ومجتهد في مذهب إمامه، أو في مذهب إمام غيره، ومجتهد في نوع من العلم، ومجتهد في مسألة أو مسائل… -إلى أن قال:- قد ألحق طائفة من الأصحاب المتأخرين بأصحاب هذا القسم الشيخ تقي الدين ابن تيمية رحمة الله عليه، وتصرفاته في فتاويه وتصانيفه تدل على ذلك” ( [40] ) .
ثانيها: جعل الإمام المرداوي اختيارات شيخ الإسلام -جمع القاضي علاء الدين ابن اللحام البعلي- وجملة من مجاميعه وفتاويه ضمن موارده في كتابه الجليل (الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف)، وهو أحد الكتب المعوَّل عليها في معرفة المعتمد في مذهب الإمام أحمد ( [41] ) .
ثالثها: تلقيبُ ابن تيمية بقلب “الشيخ” في كتب الفقه الحنبلي أحدُ دلائل تعظيم رتبته مذهبيًّا، إذ قد كان لقب الشيخ مصروفًا لابن قدامة لمكانته في المذهب، فلما ظهر ابن تيمية صرفوا لقب “الشيخ” إليه، فإذا قيل في كتب الفقه الحنبلي: قال الشيخ كذا، قصدوا به ابن تيمية؛ لأنه شيخ المتأخرين ومجتهدهم، وإذا قيل: (قال الشيخان) قصدوا بهما المجد وابن قدامة؛ لأنهما شيخا المذهب، وهذه من اصطلاحات مذهب الحنابلة.
والقصد ممّا سبق أن ابن تيمية داخل في البناء الفقهيّ والأصوليّ للمذهب الحنبليّ، فبُني المذهب ونُسج بساطه وفق معادلة هو داخل فيها، بحيث لا يمكن أن يُستغنَى عنه.
ولما كان المذهب الحنبلي مما تلقته الأمة بالقبول وهو أحد المذاهب الأربعة المعمول بها، كان ابن تيمية مُتلقًّى -هو الآخر- بالقبول تبعًا للمذهب.
ونستكملُ بقيَّة النقاش في الجزء الثاني إن شاء الله تعالى.
هذا وصلِّ اللهم على محمد وآله وصحبه وسلم.
يُتبع…
ـــــــــــــــــــــ
(المراجع)
([1]) العقود الدرية (ص: 117).
([2]) الأعلام العليَّة (ص: 69-70).
([3]) الجرح والتعديل (7/ 191).
([4]) سير أعلام النبلاء (12/ 463).
([5]) رواه أبو داود (4291). وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (599).
([6]) السيف الصقيل (ص: 25).
([7]) سير أعلام النبلاء (13/ 270).
([8]) انظر: البداية والنهاية (7/ 40).
([9]) ذيل طبقات الحنابلة (4/ 16)، وفيات المائة السابعة.
([10]) الدرر الكامنة (6/ 230).
([11]) انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي (19/ 327).
([12]) انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي (19/ 329).
([13]) مجموع الفتاوى (6/ 65).
([14]) ينظر تقريظ الحافظ ابن حجر للرد الوافر (ص: 14).
([15]) الأجوبة المرضية فيما سُئل عنه السخاوي من الأحاديث النبوية (ص: 168).
([16]) نور النبراس (8/ 277).
([17]) صون المنطق والكلام عن علم المنطق والكلام (ص: 7-8).
([18]) إقامة الحجة الباهرة على هدم كنائس مصر والقاهرة (ص: 114).
([19]) تقريظ لابن حجر على الردِّ الوافر (ص: 13).
([20]) سؤال ورد إلى الشيخ الأذرعي عن شيخ الإسلام؛ وهو ضمن تكملة الجامع لسيرة شيخ الإسلام خلال سبعة قرون (1/ 119-120).
([21]) الشهادة الزكية للشيخ مرعي الكرمي (ص: 67).
([22]) الشهادة الزكية (ص: 41).
([23]) البداية والنهاية (18/ 270).
([24]) انظر: الفروع لابن مفلح (9/ 19). والإنصاف للمرداوي (8/ 334).
([25]) انظر: غاية المنتهى (2/ 565).
([26]) انظر: مطالب أولي النهى (6/ 447).
([27]) ينظر: فتح الباري شرح صحيح البخاري (13/ 414).
([28]) المطالب العالية (2/ 106).
([29]) فتح الباري لابن حجر (13/ 445).
([30]) رسالة في الرد على ابن تيمية (ص: 29).
([31]) وسيأتي بيان ذلك في الكلام عن موقف مدرسة السبكي من ابن تيمية.
([32]) مخطوط – دار الكتب المصرية، برقم (323).
([33]) المطالب العالية (4/ 22).
([34]) انظر: مناظرات ما وراء النهر (ص: 59-63).
([35]) مناهج الأدلة (ص: 42-43).
([36]) حاشية الكلنبوي على شرح العقائد العضدية (1/ 85).
([37]) نهاية السول شرح منهاج الوصول -بحاشية بخيت المطيعي- (2/ 94-95).
([38]) نهاية السول شرح منهاج الوصول -بحاشية بخيت المطيعي- (2/ 95).
([39]) الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف (1/ 17). وإنما جعل المرداويُّ ابنَ رجب مقرونا بابن تيمية لأن ابن رجب كانت له عناية خاصة بتحرير روايات المذهب من حيث الإسناد والترجيح، فقطع بذلك على الحنابلة شوطًا كبيرًا، فجعله المرداوي أحد موارد الترجيح مع ابن تيمية لهذه المزيَّة الخاصة.
([40]) الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف (30/ 383-384).
([41]) الإنصاف للمرداوي (1/ 14).