دعوى أن ابن تيمية شخصية جدلية دراسة ونقاش (الجزء الأول)
مركز سلف للبحوث والدراسات • الفرق والمذاهب
وقد ألف في نصرة ابن تيمية الإمام ابن قاضي الجبل -وهو إمام أصوليِّي الحنابلة في وقته- كتابه (الرد على من رد على شيخ الإسلام في مسألة حوادث لا أول لها) ( [32] ) .
والفخر الرازي في (المطالب) بعدما ذكر أدلة الطرفين توقَّف في المسألة لصعوبتها، وأقرَّ أن حجج المجوِّزين للتسلسل قوية لا يمكن دفعها. وأما في كتابه (المناظرات) فقد مال إلى القول بإمكان حوادث لا أول لها.
قال الرازي بعدما نقل معارضة مجوِّزي التسلسل: “واعلم أن هذه المعارضة قوية وواقعة جدًّا، لأن المسألة في نفسها مُشكلة. فإن سلمنا أنه لا أول لإمكان وجودها كان معناه أن إمكان وجودها حاصل في الأزل، فإذا قلنا: إنه يمتنع كونه أزليًا، كان معناه أن إمكان وجوده غير حاصل في الأزل، فهذا يقتضي الجمع بين الضدين. وهب أن هذه المسألة صعبت على الكل في الصورة المذكورة، لكن كيف اجتمع فيها صدق القولين مع كونهما متناقضين؟! ولا شك أنه في غاية الصعوبة، والله أعلم” ( [33] ) .
وقد مال الرازي إلى القول بإمكان التسلسل في كتابه (مناظرات في بلاد ما وراء النهر)، وحكى مناظرته مع الشيخ الغيلاني الذي ألف كتابًا في حدوث العالم ردًّا على ابن سينا، فأحب الرازي أن يُبيِّن له أن المسألة محتملة وجائزة عقلًا، وليست بالبساطة التي يتصورها، وجادله بأدلة القائلين بالتسلسل وانتصر عليه، ولم يُحر الغيلاني جوابًا ( [34] ) .
وفي الجملة، فإن تصرّفات الرازي تدل على أنه كان يذهب -في آخر عمره- إلى إمكان التسلسل في الأزل ولا يُحيله، ولذلك كان حذَّاق المتكلمين ممن يفهمون مذهب الرازي ذهبوا إلى جواز تسلسل الحوادث مثل: سراج الدين الأرموي، وهو الذي اختصر محصول الرازي، وسيأتي كلامه.
ومعلوم أن الإمام ابن رشد صاحب (بداية المجتهد ونهاية المقتصد) كان ممن يحتمل هذه المسائل، وله ردود على الأشاعرة في (مناهج الأدلة).
يقول ابن رشد مبطلًا قول المتكلمين: “قوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ وَكَانَ عَرۡشُهُۥ عَلَى ٱلۡمَآءِ} [هود: 7] يقتضي بظاهره أن وجودًا قبل هذا الوجود.. وقوله تعالى: {ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٞ} [فصلت: 11] يقتضي بظاهره أن السموات خلقت من شيء. فالمتكلمون ليسوا في قولهم أيضًا في العالم على ظاهر الشرع، بل متأوّلون له؛ فإنه ليس في الشرع أن الله كان موجودًا مع العدم المحض، ولا يوجد هذا فيه نصًّا أبدًا. فكيف بتصوَّر في تأويل المتكلمين في هذه الآيات أن الإجماع انعقد عليه” ( [35] ) .
أما من ذهب إلى جواز تسلسل الحوادث من الأشعرية -الأرموي والأبهري والجلال الدواني والكلنبوي ومحمد بخيت المطيعي الحنفي- فهؤلاء خمسة من أجلة علماء الأشاعرة -غير الرازي- اختاروا القول بإمكان حوادث لا أول لها، وهذا لا يتنافى مع أصولهم الأشعرية بحسب رأيهم؛ وذلك لأن وجود عوالم سابقة لهذا العالم المشهود مما لا يُحيله العقل، ولا يعارضه النقل، وقولهم بالتعلق الصلوحي والتنجيزي جائز وقوعه في عوالم أخرى سابقة، وحصرُ جمهور المتكلمين لها في العالم المشهود فقط خوفًا من قدم العالم وسدًّا للذريعة مجرد تحكُّم لا دليل عليه؛ لأن قاعدة سد الذرائع إنما تكون في أمور الفقه، لا في أمور العقائد الثابتة التي لا تتغير.
يقول الكلنبوي الأشعري مؤيّدًا القدم النوعي للعالم: “وأنت مما سبق خبير أنه يمكن صدور العالم مع حدوثه، وعلى هذا الوجه، فلا يلزم القدم الشخصي في شيء من أجزاء العالم، بل القدم الجنسيّ بأن يكون فرد من أفراد العالم لا يزال على سبيل التعاقب موجودًا” ( [36] ) .
قال الإسنوي: “وأجاب في التحصيل [وهو مختصر العلامة الأرموي لمحصول الرازي] بجوابين… -إلى أن قال:- الثاني: أن المحال من التسلسل إنما هو التسلسل في المؤثرات والعلل، وأما التسلسل في الآثار فلا نسلّم أنه ممتنع، وهذا التسلسل إنما هو في الآثار. فقال الأصفهاني في شرح المحصول: وفيه نظر لأنه يلزم منه تجويز حوادث لا أول لها، وهو باطل على رأينا” ( [37] ) .
قال العلامة محمد بخيت المطيعي الحنفي -شيخ الأزهر- مؤيّدًا كلام الأرموي: “كلامٌ جيد، وأما قول الأصفهاني: (وفيه نظر لأنه يلزم منه تجويز حوادث لا أول لها وهو باطل على رأينا) فنقول: لا يلزم من كونه باطلًا على رأيه أنه باطل في الواقع ونفس الأمر؛ فإنه لغاية الآن لم يقم دليل على امتناع التسلسل في الآثار الموجودة في الخارج، وإن اشتهر أن التسلسل فيها محال، ولزوم حوادث لا أول لها لا يضر بالعقيدة إلا إذا قلنا: لا أول لها بمعنى لا أول لوجودها، وهذا مما لم يقل به أحد، بل الكل متفق على أن ما سوى الله تعالى -لما كان أو يكون- حادث، أي: موجود بعد العدم بقطع النظر عن أن يقف آحاده عند حدّ من جانبي الماضي والمستقبل أو لا تقف عند حدٍّ من جانبيهما” ( [38] ) .
والقصد مما سبق:
تأمّل موارد النزاع بين ابن تيمية ومخالفيه، وتحقيق القول في المسائل المنتقدة على ابن تيمية والنظر في كونها محتملة أم لا، وهل هو مسبوقٌ بها أم لا؟ وهل قالها تشهِّيًا أم أقام عليها مئات الأدلة العقلية والنقلية؟
وتلك المسائل -على كونها قليلة- فإن جميعها من المسائل الدقيقة وهو مسبوقٌ بها، وفي نطاق الدائرة الإسلامية الواسعة، أما المأخوذ على ابن عربي الطائي فهو في قضايا الحلول والاتحاد والكفر الصريح الذي لا تأويل فيه.
رابعًا: دخول ابن تيمية ضمن البناء الفقهي لمذهب الحنابلة :
من الدلائل على تلقّي علوم ابن تيمية بالقبول في الأمة الإسلامية -ولو في مجمله- وفساد قول القائل أنه شخصية جدلية في التاريخ: دخوله ضمن البناء المعماريّ للمذهب الحنبلي عند المتأخرين، فلا يصح بذلك دعوى جدليته مع تلقيه بالقبول في مذهبٍ معتبر.
وهذا يتجلَّى من خلال ثلاثة أمور:
أولها: بنى الإمام علاء الدين المرداوي -مُصحح المذهب ومنقحه- قول المذهب على اتفاق الشيخين ابن قدامة والمجد، فإن اختلفا فصَل بينهما شيخ الإسلام بن تيمية أو ابن رجب ( [39] ) .