دعوى أن ابن تيمية شخصية جدلية دراسة ونقاش – الجزء الثاني –
مركز سلف للبحوث والدراسات • الفقه
للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة
استكمالًا للجزء الأول الذي بيَّنَّا فيه إمامة شيخ الإسلام ابن تيمية ومنزلتَه عند المتأخرين، وأن ذلك قول جمهور العلماء الأمّة إلا من شذَّ؛ حتى إنَّ عددًا من الأئمة صنَّفوا فيه التصانيف من كثرة الثناء عليه وتعظيمه، وناقشنا أهمَّ المسائل المأخوذة عليه باختصار وبيان أنه مسبوقٌ بها، كما بينَّا أيضًا دخوله في المنظومة الفقهية الحنبلية وكونَه أحدَ مواردها الأساسيّة بما يعني تلقِّي علومه بالقبول.
وفي هذا الجزء سنناقش -إن شاء الله- ما يتترَّس به بعض المعاصرين لإثبات جدلية ابن تيمية من ذمِّ بعض العلماء له. وسيدور حديثنا في النقاط التالية:
5- درجة من ذمّوا ابن تيمية، وهل يُعتد بقولهم؟
6- بيان موقف التقي السبكي وتلامذته.
7- ابن حجر الهيتمي وردود العلماء عليه.
خامسًا: درجة من ذمّوا ابن تيمية، وهل يُعتد بقولهم؟
من المقاييس الهامّة التي ينبغي الانتباه إليها تحديدُ منزلة من ذمّوا ابن تيمية، والحقيقة أنه لم يذمَّ ابنَ تيمية في الغالب أحدٌ ممن يُعتدّ بقوله إلا تقيّ الدين السبكي، وقد رجع عن قوله وقلَّده الهيتميّ دون أن يعلم برجوعِه، وقد تتابع العلماء على الردّ عليه كما سيأتي بيانه.
وأما البقية -كابن جملة، والحصني، وعلاء البخاري، ونحوهم- فهم في درجة أقلَّ علميًّا من السبكي وابن دقيق العقيد وابن حجر والسخاوي ونحوهم؛ ولذا لم يأبه بقولهم العلماء، ومن راجع تراجمهم عند السخاوي وغيره عرف منزلتهم الحقيقية، وعرف أنهم كانوا يُعرفون بسلاطة اللسان والكلام في الناس، ويذمون الحنابلة بإطلاق وبنفس درجة ذمِّهم لابن تيمية، بينما يوهِم المعاصرون تدليسًا أنَّ مَن تكلموا في ابن تيمية من أكابر أهل العلم المنصفين، وهذا فيه تلبيس وإيهام، واستسمان ذات أورام؛ لأن التترس بأقوال الغلاة المُهدر قولهم ليس من الأمانة العلمية في شيء.
فأما ابن جملة: فيقول الإمام الذهبي: “وبلغني أنه حضر عنده [أي: القونوي] ابن جملة، وحطّ على كلام الشيخ تقي الدين، فقال القونوي الفاضل -بالتُّركي-: هذا ما يَفهمُ كلام ابن تيمية، لو فهم لما قال هذا” ( [1] ) .
وقد جرى حبس ابن جملة، وعُزِل من منصبه، وعلق المؤرخ أبو الفداء -ملك حماة- على ذلك بقوله: “فكان الناس يرون أن حادثة القاضي وحبسه بالقلعة بقيامه على ابن تيمية جزاءً وفاقًا” ( [2] ) .
وقد ذكر البرزالي بأنه لم يمتنع عن جنازة ابن تيمية إلا ثلاثة -منهم ابن جملة- خافوا على أنفسهم أن يُهلكهم الناس، ثم قال: “فاختفوا من الناس خوفًا على أنفسهم، بحيث إنهم علموا متى خرجوا قُتلوا وأَهلكهم الناس” ( [3] ) .
فلم يكن ابن جملة من الأكابر، ولا ممن يعوَّل عليه.
فأما تقي الدين الحصني: فقد حمل عليه العلماء في تراجمهم وعاملوه بما هو أهله، ومن ذلك ما ذكره ابن حجر في الإنباء: “وأخذ عن الصدر الياسوفي، ثم انحرف عن طريقته، وحطَّ على ابن تيمية، وبالغ في ذلك، وتلقى ذلك عنه الطلبة بدمشق، وثارت بسبب ذلك فتن كثيرة… -إلى أن قال:- يطلق لسانه في القضاة وأصحاب الولايات” ( [4] ) .
ونقل السخاوي أيضًا أن الحصني لما دخل حلب جعل يتحاشى لقاء سبط ابن العجمي المعروف بالبرهان محدّث حلب، ونقل قوله: لعلك التقيّ الحصني! فقال: أنا أبو بكر. ثم سأله عن شيوخه فسماهم له، فقال له: إن شيوخك الذين سمَّيتهم هم عبيد ابن تيمية، أو عبيد من أخذ عنه، فما بالك تحطّ أنت عليه؟! فما وسع التقي إلا أن أخذ نعله وانصرف ولم يجسر يرد عليه ( [5] ) .
ونقل السخاوي أيضًا عن النجم بن حجي أنه رآه وهو جالس على مكان مرتفع يشبه الإيوان العالي، ولكن رآه مُقعدًا، قال: وخطر لي أن ذلك بسبب إطلاق لسانه في الناس ( [6] ) .
ويقول الحافظ السخاوي أيضًا ناقلًا عن المقريزي: “كان شديد التعصب للأشاعرة، منحرفًا عن الحنابلة انحرافًا يخرج فيه عن الحدّ، فكانت له معهم بدمشق أمور عديدة وتفحّش في حقّ ابن تيمية وتجهر بتكفيره من غير احتشام، بل يصرح بذلك في الجوامع والمجامع بحيث تلقَّى ذلك عنه أتباعه، واقتدوا به جريًا على عادة أهل زماننا في تقليد من اعتقدوه، وسيعرضان جميعًا على الله الذي يعلم المفسد من المصلح، ولم يزل على ذلك حتى مات عفا الله عنه” ( [7] ) .
وقال ابن قاضي شهبة في ترجمته: “وكان أشعريًّا منحرفًا على الحنابلة، يطلق لسانه فيهم، ويبالغ في الحط على ابن تيمية” ( [8] ) .
أما علاء الدين البخاري:
فقد كان من الغلاة الذين حذَّر منهم العلماء؛ لأنه طعن في الإمام محيي الدين النووي بسبب اختلاف المذهب، وقال عنه: “لا يجوز النَّظر في كتبه، وإنه رجل ظاهري” ( [9] ) . فحسبك برجل طعن في النووي، فكيف لا يطعن في ابن تيمية؟!
وقال الحافظ ابن حجر: “وفي رجب كائنة القاضي سراج الدين الحمصي بطرابلس مع الشيخ شمس الدين ابن زهرة شيخ الشافعية بطرابلس، وذلك أنه بلغه ما وقع بين علاء الدين البخاري والحنابلة في أمر الشيخ تقي الدين ابن تيمية، وأن البخاري أفتى بأن ابن تيمية كافر، وأن من سماه شيخ الإسلام يكفر، فاستفتى عليه بعض من يميل لابن تيمية من المصريين، فاتفقوا على تخطئته في ذلك وكتبوا خطوطهم، فبلغ ذلك الحمصي فنظم قصيدة تزيد على مائة بيت بوفاق المصريين، وفيها أن من كفر ابن تيمية هو الذي يكفر” ( [10] ) .
قال السخاوي: “ثم صَار يُصَرح فِي مَجْلِسه بِأَن من أطلق على ابْن تَيْمِية أَنه شيخ الْإِسْلَام فَهُوَ بِهَذَا الْإِطْلَاق كَافِر، واشتهر ذَلِك، فَانْتدبَ حَافظ الشَّام الشَّمْس بن نَاصِر الدّين لجمع كتاب سَمَّاهُ: (الرَّد الوافر على من زعم أَن من أطلق على ابْن تَيْمِية أَنه شيخ الْإِسْلَام كَافِر)، جمع فِيهِ كَلَام من أطلق عَلَيْهِ ذَلِك من الْأَئِمَّة الْأَعْلَام من أهل عصره من جَمِيع أهل الْمذَاهب سوى الْحَنَابِلَة، وَذَلِكَ شَيْء كثير، وَضَمّنَهُ الْكثير من تَرْجَمَة ابْن تَيْمِية، وَأرْسل مِنْهُ نُسْخَة إِلَى الْقَاهِرَة، فقرظه من أئمتها شَيخنَا [يعني: ابن حجر] وَالْعلم البُلْقِينِيّ والتفهني والعيني والبساطي بِمَا هُوَ عِنْدِي” ( [11] ) .