دعوى أن ابن تيمية شخصية جدلية دراسة ونقاش – الجزء الثاني –
مركز سلف للبحوث والدراسات • الفقه
وقال الشوكاني: “قال المقري فِي عقوده: كَانَ يسْلك طَرِيقا من الْوَرع، فيسمح فِي أَشْيَاء يحملهُ عَلَيْهَا بعده عَن معرفَة السّنَن والْآثَار وانحرافه عَن الحَدِيث وَأَهله، بِحَيْثُ كَانَ ينْهَى عَن النظر فِي كَلَام النووي وَيَقُول: هُوَ ظَاهري، ويحضّ على كتب الغزالى. انْتهى. ومن هَذِه الْحَيْثِيَّة قَالَ فِي ابْن تَيْمِية مَا قَالَ، وَلَيْسَ فِي علم إنسان خير إِذا كَانَ لَا يعرف علم الحَدِيث وَإِن بلغ فِي التَّحْقِيق إِلَى مَا ينَال” ( [12] ) .
والقصد مما سبق: معرفة درجات الأئمة الذين تكلموا في ابن تيمية، وأن من تكلّم في ابن تيمية من السابقين بسوء لم يُعوِّل عليهم العلماء -كما قال ذلك الحافظ ابن حجر وغيره- بل وصفوهم بالغلو، وانبرَوا للرد عليهم، وأفتى الإمام الأذرعي الشافعي بتعزيرهم وحبسهم -وسيأتي كلامه-، بل قد أفتى بعض العلماء أن الذي يُكِّفر ابن تيمية هو الذي يكفر ويخرج من الملة، منهم الحمصي والبدر العيني وغيرهما.
وقد أظهرَ مقالاتِ هؤلاء الغلاة من جديد بعض الأشعرية في العصور الحديثة كالشيخ الكوثري وغيره، وحاول طبع كتبهم من جديد بعدما حذَّر منها علماء الأمة.
سادسًا: بيان موقف التقي السبكي وتلامذته :
زعم بعض المعاصرين أن التقي السبكي كفَّر ابن تيمية، وهذا الكلام بعيد كل البعد عن الحقيقة العلميّة؛ فالسبكي -مع الاختلاف معه- كان من أورع الناس عن التكفير، وقد ترجم الذهبي وابن حجر وغيرهما للتقي السبكي ولم يذكروا أنه كفَّر ابن تيمية، ومعلومة محورية كهذه لا يمكن أن تفوتهم دون ذكرٍ لها.
وإنما قد يقول السبكي كلمة -في معرض الانفعال والرد- هي إلزامٌ لمذهب ابن تيمية، من جنس وصف ابن تيمية للمتكلمين بأن مذهبهم هو الإلحاد، وأنهم يتَّبعون أصول اليونان، ولا يعرفون دين التوحيد الذي بعث الله به رسله، ونحو ذلك من العبارات الإلزامية، ومعلوم أن ابن تيمية لا يكفِّرهم، فكذلك الأمر في السبكي معه.
وشدّة العبارة عند التقي السبكي -سواء على شيخ الاسلام أو تلميذه ابن القيم- ما هي وليدة اللحظة في الرد والمناظرة، وإلا فالسبكي لم يظلّ على حاله طيلة عمره، بل رجع عن قوله -كما سيأتي- ولقد أكثر التقي السبكي من النقل عن ابن تيمية في كتابه (السيف المسلول على من سب الرسول) الذي ألفه على غرار (الصارم المسلول)، ولو أنه يكفره لم يكن لينقل عنه حرفًا واحدًا، حتى في كتابه (شفاء السقام) الذي هو ردٌّ عليه، كان يناقشه مناقشة علمية دون تعرضٍ لشخص ابن تيمية.
وقد ذكر المؤرخون أنه ما تخلف أحد من العلماء عن جنازة ابن تيمية إلا نفر كانوا منبوذين، وخافوا أن يحضروا حتى لا يفتك بهم العامة، وواضح أن الغائبين لم يكونوا من الكبار أو المشاهير، وقد حدَّد البرزالي أسماء من تخلفوا ووصفهم بأنهم (من الصغار).
قال الحافظ ابن كثير نقلًا عن علم الدين البرزالي : “ولم يتخلَّف من الناس إلا القليل من الصغار والمخدّرات، وما علمت أحدًا من أهل العلم إلا النفر اليسير تخلّف عن الحضور في جنازته، وهم ثلاثة أنفس، وهم: ابن جملة، والصدر، والقفجاري، وهؤلاء كانوا قد اشتهروا بمعاداته، فاختفوا من الناس خوفا على أنفسهم، بحيث إنهم علموا أنهم متى خرجوا قُتلوا وأهلكهم الناس، وتردّد شيخنا الإمام العلامة برهان الدين الفزاري إلى قبره في الأيام الثلاثة، وكذلك جماعة من علماء الشافعية، وكان برهان الدين الفزاري يأتي راكبا على حماره وعليه الجلالة والوقار رحمه الله” ( [13] ) .
فلو كان ابن تيمية شخصية جدلية -عند كبار أهل العلم- لما وصف البرزالي مخالفيه الذين تخلَّفوا عن جنازته بهذه الأوصاف.
رجوع السبكي عن ذمّ ابن تيمية:
زعم بعض الناس أنّ ذمَّ ابن تيمية هو ما استقرّ عليه أمر السبكي، والحقُّ أن التقي السبكي بعد وفاة ابن تيمية رجع عن ذمه له؛ وذلك لما عاتبه الحافظ الذهبي في رأيه فيه؛ لأن التقي السبكي كان ممن يُجلّ الحافظ الذهبي، وقد أثبت رجوعَ السبكي وأن هذا آخر حاله جماعة من أهل العلم، منهم ابن حجر في الدرر الكامنة، وابن ناصر الدين الدمشقي في الرد الوافر، وابن رجب في ذيل الطبقات، وابن العماد في شذرات الذهب، وغيرهم.
يقول الحافظ ابن حجر : “وكتب الذهبي إلى السبكي يعاتبه بسبب كلام وقع منه في حق ابن تيمية، فأجابه، ومن جملة الجواب: وأما قول سيدي في الشيخ تقي الدين فالمملوك يتحقَّق كبير قدره وزخارة بحره وتوسّعه في العلوم النقلية والعقلية وفرط ذكائه واجتهاده وبلوغه في كل من ذلك المبلغ الذي يتجاوز الوصف، والمملوك يقول ذلك دائمًا وقدره في نفسي أكبر من ذلك وأجل، مع ما جمعه الله له من الزهادة والورع والديانة ونصرة الحق والقيام فيه، لا لغرض سواه، وجريه على سنن السلف، وأخذه من ذلك بالمأخذ الأوفى، وغرابة مثله في هذا الزمان بل من أزمان” ( [14] ) .
وقد استبعد بعض المعاصرين صدور هذا من التقي السبكي، ونسبوه إلى ابنه التاج، وهذا الكلام غلط من قائله، فالعلماء نسبوه للتقي السبكي وليس للتاج السبكي.
ويقول الحافظ ابن رجب : “ومما وجد في كتابٍ كتبه العلامة قاضي القضاة أبو الحسن السبكي إلى الحافظ الذهبي في أمر الشيخ تقي الدين -يعني ابن تيمية-: أما قول سيدي في الشيخ فالمملوك…” وذكره ( [15] ) .
وقال ابن ناصر الدين الدمشقي بعدما نقل قول بهاء الدين السبكي: “والله يا فلان لا يبغض ابن تيمية إلا جاهل” قال: “ فكيف هذا لو سمع مما صحت به الرواية عن شيخ الإسلام تقي الدين السبكي من مدحه لابن تيمية لطار فرحا من السرور، ولأنشد متمثلا بذلك البيت المشهور:
ومليحة شهدت لها ضراتها *** والفضل ما شهدت به الأعداء” ( [16] )
وأما ابنه التاج السبكي فلا يذكر ابن تيمية إلا بخير؛ لأنه من طبقة شيوخه، ومن ذلك أنه لما أراد أن يدلّل على مسألة قال: “وهو رأي الشيخ الإمام الوالد -تغمده الله تعالى برحمته-، والشيخ العلامة تقي الدين ابن تيمية” ( [17] ) .
وقال السبكي الابن أيضًا : “وأما الحافظ أبو الحجاج المزي فلم يكتب بخطه لفظة شيخ الإسلام إلا له -أي: لوالده تقي الدين السبكي-، وللشيخ تقي الدين ابن تيمية، وللشيخ شمس الدين ابن أبي عمر” ( [18] ) .