شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

دعوى أن ابن تيمية شخصية جدلية دراسة ونقاش – الجزء الثاني –

مركز سلف للبحوث والدراسات • الفقه

قال السفاريني: “قال الإمام ابن القيم في الهدي: كان شيخنا أبو العباس بن تيمية رضي الله عنه يذكر في سبب الذؤابة شيئا بديعا، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما اتخذها صبيحة المنام الذي رآه بالمدينة لما رأى رب العزة تبارك وتعالى فقال: يا محمد، فيم اختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري! فوضع يده بين كتفي فعلمت ما بين السماء والأرض. الحديث رواه الترمذي وقال: إنه سأل البخاري عنه فصححه. قال شيخ الإسلام: فمن تلك الغداة أرخى رسول الله صلى الله عليه وسلم الذؤابة بين كتفيه صلى الله عليه وسلم. قال: وهذا من العلم الذي تنكره ألسنة الجهال وقلوبهم. قال: ولم أر هذه الفائدة في شأن الذؤابة لغيره. وقال الحافظ أبو زرعة ابن الحافظ أبي الفضل العراقي -رحمهما الله تعالى- في تذكرته بعد أن ساق ما تقدم عن شيخ الإسلام ابن تيمية: إن ثبت ذلك فهو رجُلُه، وليس يلزم منه التجسيم” ( [31] ) .

ثم قال السفاريني رادًّا على الهيتمي بقسوَة : “ورأيت بعض من أعمى الله بصيرته، وأفسد سريرته، وتشدَّق وصال، ولقلق في مقالته وقال: هذا على اعتقاده، وأخذ في الحط على شيخ الإسلام وتلميذه، وزعم أنه نصر الحق في اعتقاده، وهو مع ذلك هوى في مهاوي هواه، وله ولهما موقف بين يدي الله، وحينئذ تنكشف الستور، ويظهر المستور. وأما أنا فلا أخوض في حقّ من سلف، وإن كانت مقالته أقرب إلى الضلال والتلَف؛ لأن الناقد بصير. ولله عاقبة الأمور” ( [32] ) .

– رد إبراهيم الكوراني على الهيتمي:

تعقب الهيتميَّ الشيخُ إبراهيم الكوراني الشافعي الأشعري في (إفاضة العلام) بقوله: “أما إثبات الجهة والجسمية المنسوب إليهما فقد تبين حاله، وأنهما لم يثبتا الجسمية أصلًا، بل صرحا بنفيهما في غير ما موضع من تصانيفهما، ولم يثبتا الجهة على وجه يستلزم محذورًا، وإنما أَقرا قوله تعالى: {اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} على ظاهره الذي يليق بجلال ذات الله تعالى، لا الظاهر الذى هو من نعوت المخلوقين حتى يستلزم الجسمية.

وأما قول العراقي: لم نجد له أصلًا، ففيه أن ما ذكر ابن القيم ليس فيه أن ما عزاه لشيخه منقول حتى يتجه عليه أنه لا أصل له، وإنما فيه أن ما عزاه لشيخه إبداء مناسبة بديعة لإرخاء العذبة فهمها مما هو منقول، وهو الحديث الذى أخرجه جماعة منهم أحمد والترمذي وغيرهما، وصححوه: «إن الله تجلى لي في أحسن صورة» ، وفي رواية: «أتاني الليلة ربي في أحسن صورة … -إلى أن قال:- فوضع يده بين كتفي حتى وجدت بَرد أنامله بين ثدييَّ» الحديث. وإذا كان هذا فهمًا منه واستنباطًا لا نقلًا لم يرد عليه قول العراقي: ولم يجد له أصلًا. فالمناسبة التي أبداها ابن تيمية مناسبة صحيحة غير مستلزمة للتجسيم، ولا مبنية عليه أصلًا كما ظنه ابن حجر” ( [33] ) .

ومما سبق يتبيَّن ما يلي:

أولًا: الثناء على ابن تيمية وتسميته بشيخ الإسلام هو قول جمهور المتأخرين، بل يكاد يكون إجماعًا إلا ما كان من تقيّ الدين السبكي كسائر ما يحصل بين الأقران، وقد رجع عن قوله بشهادة ابن ناصر الدين وابن رجب وغيرهما، وقلَّده الهيتمي في المتأخرين ولم يعلم برجوعه، واعتبرها العلماء زلَّة منه.

ثانيًا: المنتقَد على ابن تيمية من معاصريه -وهو قليل- هو مسبوقٌ به، وقال بقوله الفحول، وهو في نطاق دائرة الفكر الإسلامي.

ثانيًا: المعاصرون من الأشعرية -أو أكثرهم- ممن يذمون ابن تيمية هم أتباع الغلاة الذين ذمَّهم جمهور علماء الأمة وأفتوا بعقوبتهم وتعزيرهم، أمثال الأذرعي وابن حجر والبدر العيني والسخاوي وغيرهم، بل هم غلاة في نظر السبكي أيضًا الذي استقر أمره على تعظيم ابن تيمية.

ومما سبق يتبيَّن فساد دعوى أن ابن تيمية شخصية جدلية، أو أنه شخصية قلِقة، أو أن خلافه من جنس خلاف ابن عربي الطائي ونحوه.

هذا، وصلِّ اللهم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

ـــــــــــــــــــــ

(المراجع)

([1]) ذيل تاريخ الإسلام (ص: 333)، ونقله الحافظ في الدرر الكامنة (4/ 32).

([2]) المختصر في أخبار البشر (4/ 112).

([3]) البداية والنهاية (14/ 160).

([4]) إنباء الغمر (8/ 110).

([5]) الضوء اللامع (1/ 119).

([6]) الضوء اللامع (1/ 118).

([7]) الضوء اللامع (11/ 74).

([8]) طبقات الشافعية (4/ 77).

([9]) الرد الوافر (ص: 21)، ونقل كلامه في النووي أيضًا المقري في عقوده. انظر: البدر الطالع، الشوكاني (2/ 138).

([10]) أنباء الغمر (3/ 491).

([11]) الضوء اللامع (9/ 292).

([12]) البدر الطالع (2/ 138).

([13]) البداية والنهاية (14/ 160).

([14]) الدرر الكامنة (1/ 95). وانظر: شذرات الذهب، ابن العماد (6/ 244).

([15]) ذيل الطبقات الحنابلة (4325).

([16]) الشهادة الزكية في ثناء الأئمة على ابن تيمية، مرعي الكرمي الحنبلي (ص: 58).

([17]) معيد النعم ومبيد السقم (ص: 24).

([18]) طبقات الشافعية (10/ 195).

([19]) الشهادة الزكية في ثناء العلماء على ابن تيمية (ص: 46).

([20]) البداية والنهاية (7/ 228).

([21]) سؤال ورد إلى الشيخ الأذرعي عن شيخ الإسلام؛ وهو ضمن تكملة الجامع لسيرة شيخ الإسلام خلال سبعة قرون (1/ 119-120).

([22]) الرد الوافر (ص: 43).

([23]) الوافي بالوفيات والأعيان (21/ 56).

([24]) أعيان العصر وأعوان النصر (1/ 154).

([25]) أعيان العصر وأعوان النصر (1/ 154).

([26]) مقدمة سعيد فودة لرسالة الرد على ابن تيمية للإخميمي (ص: 21).

([27]) نقله عنه صاحب جلاء العينين في محاكمة الأحمدين (ص: 648).

([28]) حاشية الشبراملسي على الفتاوى الحديثية -مخطوط- (اللوحة: 64-ب). ونقله محمد أبو حيان في كُناشته.

([29]) حاشية الشبراملسي على شرح المواهب اللدنية -مخطوط- (الجزء الثاني/ اللوحة: 607-ب). ونقله محمود أبو حيان في كُناشته.

([30]) جمع الوسائل شرح الشمائل (ص: 208-209).

([31]) غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب (2/ 62).

([32]) المصدر السابق.

([33]) إفاضة العلام في تحقيق مسألة الكلام (ص: 35).

الصفحة السابقة