شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

دعوى أن ابن تيمية شخصية جدلية دراسة ونقاش – الجزء الثاني –

مركز سلف للبحوث والدراسات • الفقه

ومن ذلك مثلًا شيخ الأزهر الدمنهوري (1192هـ) فقد ذكر ابن تيمية في كتابه (إقامة الحجة الباهرة على هدم كنائس مصر والقاهرة)، ذكر ابن تيمية في كل المواضع بالشيخ ابن تيمية، وأما في نهاية الكتاب فقد نقل عنه فتواه ولقَّبه الدمنهوري بشيخ الإسلام، وكان هو الموضع الوحيد الذي لقبَّه فيه بذلك.

ونخلص من ذلك: أن تلقيب ابن تيمية بالشيخ لا يمنع من تلقيبه بشيخ الإسلام، فهذه لا تُعارض تلك.

ويعترف سعيد فودة قائلًا : “والإمام الإخميمي في رسالته هذه عفُّ اللسان، مؤدَّب في ردِّه، فتجده مثلًا يلقِّب ابن تيمية بقوله: الشيخ الإمام العلامة، ثم يحاول أن يحمل قوله على أحسن المحامل التي يُمكن أن تُنزه ابن تيمية عن الاعتقاد بهذا القول الشنيع، بل ويُصحِّح لأتباع ابن تيمية ما أخطؤوا فيه من فهم كلام شيخهم، ويحاول شرح كلام ابن تيمية شرحًا صحيحًا يوافق مراده” ( [26] ) .

ورسالة الإخميمي هي ردٌّ على أحد أتباع ابن تيمية، حصلت بينه وبين الإخميمي خصومة في هذه المسألة، بينما حاول الإخميمي أن يتأوَّل لابن تيمية وأن يحمل كلامه محملًا حسنًا، وينزِّهه عن القول بقدم الحوادث، ويوضّح للمعترض أنه لم يفهم كلام شيخه. وبغض النظر عن مدى دقَّة الإخميمي في شرح كلام ابن تيمية، فالرسالة أقرب إلى إعذار ابن تيمية منها إلى الردّ عليه. فتأمل.

ومما سبق يتبيَّن: أن تلاميذ السبكي مدَحوا شيخ الإسلام ابن تيمية، ولم يتابع أحدٌ قولَ شيخه القديم، بل الكل مجمعون على إمامته وذمّ من يتكلَّم فيه.

سابعا: ابن حجر الهيتمي وردود العلماء عليه :

يحتج غلاة المعاصرين بقول ابن حجر الهيتمي في شيخ الإسلام ابن تيمية، والهيتمي على كونه متأخرًا فإنه قلَّد كلام السبكي ولم يعلَم برجوعه، وقد ردَّ العلماء من الأشاعرة وغيرهم على الهيتمي وأبطلوا قوله بالأدلة؛ لأنهم يعلمون أنه قول مهدور، وليس قولًا معتبرًا عند أهل العلم، وهي زلة من الهيتمي نرجو أنه معذورٌ فيها -إن شاء الله- لعدم اطلاعه على حقيقة مذهب ابن تيمية.

– رد العلامة المناوي على الهيتمي:

قال العلامة عبد الرؤوف المناوي الشافعي (1029هـ) في شرحه بعد سوقه لكلام ابن حجر في اتهامه لشيخي الإسلام ابن تيمية وابن القيم في إثبات حديث « أتاني ربي في أحسن صورة » ما نصه: “فقول ابن حجر غير مستقيم، أما أولًا: فلأنهما قالا: إن الرؤية المذكورة كانت في المنام، وهذه كتبهما حاضرة، وأما ثانيًا فلأنا نؤمن بأن له يدًا لا كيد المخلوق، فلا مانع من وضعها وضعًا لا يشبه وضع الخلوق، بل وضع يليق بجلاله، وعجبتُ من الشيخ ابن حجر كيف أنكر هذا مع وجود خبر الترمذي: « أتاني ربي في أحسن صورة فقال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ فقلت: لا أدري! فوضع كفه بين كتفي، فوجدتُ بَردها بين ثندوتي -أي: ثديي- وتجلى لي علم كل شيء » “ ( [27] ) .

– رد الشبراملسي على الهيتمي:

الشبراملسي الشافعي الأشعري (1087هـ) أحد كبار محققي الشافعية، صاحب الحواشي المعروفة في فقه الشافعية كحاشية (نهاية المحتاج) وغيرها.

يقول في (حاشيته) ردًّا على ابن حجر الهيتمي عند قول الهيتمي: “ومن أراد ذلك فعليه بمطالعة كلام السبكي”، فعلق الشبراملسي قائلًا : “ومن هنا تعلم أن أكثر ما في الجواب تحامُل؛ لما هو معلوم مما كان بين السبكي وبين ابن تيمية؛ ولذلك رد غير واحد على السبكي في ذلك، ومنهم: السيوطي، وترجم لابن تيمية ترجمة عظيمة، وأنه من الأئمة الحفاظ فراجعه، وحرره من (طبقات الحفاظ) له، وعبارة السيوطي في (طبقات الحفاظ) ما نصه: ابن تيمية الشيخ الإمام العلامة الحافظ الناقد، الفقيه المجتهد، المفسر البارع، شيخ الإسلام، علم الزهاد، نادرة العصر، تقي الدين أبو العباس أحمد بن المفتي شهاب الدين” ( [28] ) .

وفي موضع آخر في حاشيته على (شرح المواهب اللدنية) تحت حديث « فوضع كفه بين كتفي حتى وجدت برد أصابعه في صدري » ، ونقل عن ابن تيمية كلاما في إثبات الحديث.

ثم نقل عن الحافظ أبي زرعة العراقي: “إن ثبت ذلك -أي: عن ابن تيمية- فهو رَجُلُهُ، وليس يلزم منه التجسيم” ( [29] ) .

– رد الملا علي القاري على الهيتمي:

ملا علي القاري (1014هـ) من تلاميذ الهيتمي، قال في (جمع الوسائل في شرح الشمائل): “قال ابن القيم عن شيخه ابن تيمية: إنه ذكر شيئا بديعا، وهو أنه صلى الله عليه وسلم لما رأى ربه واضعا يده بين كتفيه أكرم ذلك الموضع بالعذبة. قال العراقي: لم نجد لذلك أصلا، قال ابن حجر [يعني: الهيتمي]: (بل هذا من قبيح رأيهما وضلالهما إذ هو مبني على ما ذهبا إليه، وأطالا في الاستدلال له، والحط على أهل السنة في نفيهم له، وهو إثبات الجهة والجسمية لله تعالى، ولهما في هذا المقام من القبائح، وسوء الاعتقاد ما تصم عنه الآذان ويقضى عليه بالزور والبهتان). أقول [أي: القاري]: صانهما الله تعالى من هذه السمة الشنيعة والنسبة الفظيعة، ومن طالع شرح (منازل السائرين) تبين له أنهما كانا من أكابر أهل السنة والجماعة، ومن أولياء هذه الأمة.. وعجبت من الشيخ ابن حجر كيف أنكر هذا مع وجود خبر الترمذي: « أتاني ربي في أحسن صورة فقال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ فقلت: لا أدرى! فوضع كفه بين كتفي فوجدت بردها بين ثنوتي -أي: ثديي- وتجلى لي علم كل شيء » “.

ثم نقل العلامة القاري شيئا من عقيدة الإمام المحقق ابن القيم رحمه الله، ثم عقّب بقوله: “انتهى كلامه، وتبين مرامه، وظهر أن معتقده موافق لأهل الحق من السلف وجمهور الخلف، فالطعن الشنيع والتقبيح الفظيع غير موجّه عليه ولا متوجه إليه، فإن كلامه بعينه مطابق لما قاله الإمام الأعظم والمجتهد الأقدم في فقهه الأكبر ما نصه: وله تعالى يد ووجه ونفس، فما ذكر الله في القرآن من ذكر الوجه واليد والنفس فهو له صفات بلا كيف، ولا يقال: إن يده قدرته أو نعمته؛ لأن فيه إبطال الصفة، وهو قول أهل القدر والاعتزال، ولكن يده صفته بلا كيف، وغضبه ورضاه صفتان من صفاته بلا كيف” ( [30] ) .

– رد العلامة السفاريني على الهيتمي:

نقل الحديث العلامة السفاريني (1188هـ) في (غذاء الألباب) وكلام ابن القيم نقلًا عن ابن تيمية، ثم نقل تأييد أبي زرعة العراقي له، ثم رد على ابن حجر الهيتمي ردًّا قاسيًا.

الصفحة السابقة الصفحة التالية