شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

علماء الأزهر الشريف ودعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وتوارُد العلماء والمفكرين على مدحه

مركز سلف للبحوث والدراسات • السير والتاريخ

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة

مقدمة:

هذه السطور ليست من باب التعصب لشخصية تاريخية، ولا اصطفافًا في معركةٍ مذهبية معاصرة، وإنما محاولة علمية هادئة لإعادة الميزان إلى موضعه الصحيح، بعد أن اختلّ هذا الميزان في زمنٍ غلب فيه خطاب الشحن والكراهية على التحقيق العلمي، والمواقف المُسبقة على الشهادات الموثَّقة.

لقد تعرّض الشيخ محمد بن عبد الوهاب في السنوات الأخيرة لحملةٍ واسعة، صُوِّر فيها على غير حقيقته، ونُسب إليه ما لم يقله، وحُمِّل مشروعه العلمي والدعوي الإصلاحيّ أوزارَ صراعاتٍ لا يصحّ منهجًا ولا عدلًا أن تُقرأ أفكاره من خلالها. ومع تكرار الاتهام غاب عن كثيرين سؤالٌ بسيط: كيف كان موقع الشيخ محمد بن عبد الوهاب في نظر علماء العصور الماضية، لا سيما علماء الأزهر؟

إن الرجوع إلى شهادات علماء الأزهر الشريف وغيرهم خلال القرن الماضي لَيكشفُ بجلاء أن الرجل كان محلّ إجماع من العلماء المعتبرين بشتى مذاهبهم ومشاربهم طيلة القرن الماضي وما قبله، ولم يكن شاذًّا عن جماعة العلماء كما يُصوَّر اليوم، ولا خارجًا عن أصول أهل السنة، بل كان محلَّ تقديرٍ وثناءٍ من كبار علماء الأزهر وغيرهم، ممن اطّلعوا على دعوته، وقرؤوا كتبه، وحاكموا أقواله إلى ميزان العلم لا إلى الخصومة.

وقد جاء هذا المقال دعوةً للعودة إلى شهادة الأزهر الشريف نفسه، حين كان الحكم للعلم وحده هو الميزان.

أولا: بداية العلاقة بين الدعوة الإصلاحية والأزهر الشريف:

بدأ التفاعل بين المدرستين في وقت مبكِّر جدًّا، فحينما نُفي بعض أبناء الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى مصر في عهد إبراهيم باشا كان لهم اتصال مباشر بعلماء الأزهر الشريف، واستفاد كل طرفٍ من الآخر، وتوثّقت الصلات بينهم. ولم يكن هذا مجردَ تلاقٍ عابر، بل ظهر في كتابات العلماء الأزهريين ثناءٌ على علماء الدعوة، كما تولى بعضهم مناصب علمية في الأزهر نفسه كما سيأتي بيانه.

ويروي المؤرخ الكبير الأستاذ طه المدور تفاصيل مناظرة حصلت بين علماء الأزهر وبين عالميْن وهابيَّين بقوله: “في سنة ١٨١٥م سافر مندوبان عن الوهابية وقابلا والي مصر آنذاك محمد علي باشا الكبير، فأمر رهطا كريما من العلماء ومن رجال الأزهر بفتح باب المناظرة بينهم وبين ذينك الشيخين الوهابيين. فعقد الطرفان عدة اجتماعات، طلب فيها علماء مصر من المندوبَين النجديَّين إعطاءَ التفاصيل الوافية عن المذهب الوهابي. فراحت المناظرات تجري بين الجانبين واتَّسع نطاق الجدل والمدارسة، حتى عقدت راية الفوز في النهاية للوهابيَّين، وذلك باقتناع علماء مصر بأن تعاليم المذهب الوهابي تنطبق بمجموعها على منطوق الآيات القرآنية وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم”، ثم يقول الأستاذ المدور: “وأغرب من هذا، فقد أثبت الضيفان الوهابيان خلال تلك المناظرات الدينية أنهما يحفظان القرآن الكريم، والمعاني العديدة من الأحاديث النبوية.. وقد نشر علماء الأزهر على إثر ذلك بيانًا أعلنوا فيه أنهم لم يروا شذوذا دينيا في المبادئ الوهابية.. وفوق ذلك كان في جملة ما نقله المندوبان الوهابيان إلى مصر كتاب خطيّ في العقائد وضعه الشيخ محمد بن عبد الوهاب عن المذهب الوهابي ، فطالعه العلماء في الأزهر، وصرحوا بعد ذلك بلسان واحد قائلين: إذا كانت الوهابية كما سمعنا وطالعنا فنحن وهابيون “ [1] .

ومن تلك النماذج والمواقف التي تدلّ على قبول الأزهر لدعوة الشيخ:

– أنه قد تولى منصبَ شيخ رواق الحنابلة بالجامع الأزهر: الشيخ عبد الرحمن بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، وقد ترجم له العلامة البيطار فقال: “الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن عبد الوهاب النجدي الحنبلي العالم المشهور، والهُمام الذي فضله مأثور… التفت إلى الطلب والتعلُّم والتعليم والاستفادة والإفادة إلى أن صار في الأزهر شيخ رواق الحنابلة، وكان ظاهر التقوى والصلاح والزهادة والعبادة” [2] .

– ويقول الشيخ أمين الحلواني الأزهري: “أما الشيخ عبد الرحمن المذكور فقد أدركته في الجامع الأزهر يُدرِّس مذهب الحنابلة، وكان شيخ رواق الحنابلة سنة 1273هـ، وتوفي سنة 1274هـ، وكان عالمًا فقيهًا ذا سمت حسن يظهر عليه التقوى والصلاح” [3] .

– ويقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن صاحب الكتاب الشهير (فتح المجيد شرح كتاب التوحيد) وهو يذكر مشيخته من الجامع الأزهر: “وأما مشايخنا من أهل مصر فمن فضلائهم في العلم الشيخ حسن القويسني، حضرت عليه شرح جمع الجوامع في الأصول للمحلي ومختصر السعد في المعاني والبيان…” ثم ذكر ذكر عددًا كبيرًا من المشايخ… ثم قال: “ومنهم إبراهيم البيجوري قرأتُ عليه شرح الخلاصة للأشموني إلى الإضافة، وحضرت عليه في السُلَّم وعلى محمد الدمنهوري في الاستعارات والكافي في عِلميِ العروض والقوافي، قرأها لنا بحاشيته بالجامع الأزهر عمَّره الله تعالى بالعلم والإيمان” [4] .

– ويقول علامة الأزهر الشيخ محمد العزيزي الشافعي الصوفي الخلوتي: “فإنه لما حضر إلى مصر السادة الوهابية كان من أجلهم وأعظمهم حبيبنا العمدة الفاضل والهمام الكامل مولانا الشيخ عبد الله الحنبلي -يقصد الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب-، وأخوه العمدة الفاضل حبيبنا صاحب الأخلاق المرضية والأفعال المصطفوية الشيخ إبراهيم الحنبلي، وكذلك من أعيانهم النبلاء الأذكياء: سيدي عبد الرحمن بن عبد العزيز رحمه الله رحمةً واسعة بمنِّه وكرمه، وكان حبيبنا الشيخ عبد الله -رحمه الله رحمةً واسعة- من العلماء الفضلاء، وأنجب ولده الشيخ عبد الرحمن الحنبلي، وهو من أذكياء أهل العلم وصلحائهم” [5] .

– وفي العصور الحديثة، ومنذ عهد الملك عبد العزيز آل سعود كان هناك تعاون في تحقيق التراث بين علماء الأزهر وعلماء الدعوة الإصلاحية، في عهد الشيخ رشيد رضا، ثم أحمد شاكر والشيخ المراغي، ثم الشيخ حسنين مخلوف، هذا التعاون أثرى المكتبة الإسلامية المعاصرة.

كما استقبلت الجامعات السعودية علماء الأزهر للتدريس فيها والإفادة منهم، فلو كان السلفيون يُكفّرون الأزهريين -كما يُشِيعه بعض الناس- لما قبلوا انتدابهم للتدريس في جامعاتهم العلمية.

الصفحة التالية