شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

مدخل إلى النوحية اليهودية… ديانة الإنسانية

مركز سلف للبحوث والدراسات • الفقه

تعريف النوحية:

النوحية أو “ النصرانية الإسرائيلية “: نسبة إلى نوح عليه الصلاة والسلام، ومعناها عند من يدعو إليها: “ التزام الوصايا السبع ” التي أوصى بها نوح البشريةَ، بعد أن تعاهد هو وأبناؤهم مع الله للقيام بها، ويُرمز لها بألوان قوس قزح [1] ، وأصلها ما وضعه حاخامات اليهود في “ التلمود “، وهي تحريم الوثنية وعبادة الأصنام، ووجوب تنزيه اسم الله تعالى، وتحريم القتل والزنا والسرقة، وتحريم أكل لحم الحيوان الحي، ووجوب إقامة نظام عدلي وقضائي وتشريعي لحفظ كل ذلك. ويقصد بهذه الوصايا البشرية كلها أن تكون ديانة للجميع، بل تُعَدّ عندهم ديانة اللائكية والعالمانية في مقابل الديانة الكهنية، أو قل: الديانة الليبرالية [2] العالمية، لكن يختص بتفسيرها والتفريع عنها والزيادة عليها عند المقتضي اليهود، فهم “ الكهنة ” الموكَّل إليهم ذلك حصرًا، زيادة على أنهم مخاطبون بوصايا أخرى تصل إلى 613 وصية أو ميتزفوت، وباقي العالم ملزمون بهذه الوصايا السبعة وتفسيرها اليهودي، خاصة ما تعلق بالجانب القضائي والتشريعي، لأنه قلب هذه الوصايا النابض بالحياة، الصالحة لكل زمان ومكان.

النوحية والقبالا:

لعل أول من حاول شرح هذه الدعوة تأصيلا وتفسيرا اليهودي الإيطالي القبالي “ إيلي بناموزيغ – Elie Benamozegh ” من مدينة ليفورنو “ Livorno ” الإيطالية التي سكنتها طائفة كبيرة من اليهود [3] ، والمتوفى سنة 1900م، في كتابه: “ إسرائيل والإنسانية – Israël et l’Humanité “ [4] ، الذي كشف فيه عن “ الأصل القبالي للدعوة النوحية “، وحاول استخراج نصوص توراتية يبني عليها هذه الدعوة، ومن الأحداث المثيرة المتعلقة بهذا الرجل وكتابه أن رجلًا من أشهر النصارى الفرنسيين تحوَّل إلى النوحية بعد لقائه إياه سنة 1867م، وهو “ إيمي بالييه – Aimé Pallière “، وكتب في ذلك كتابه: “ا لمعبد المجهول: قصة تحولي إلى اليهودية، النوحية، وتعاليم إيليا بناموزيغ – Le Sanctuaire inconnu, Ma conversion au Judaïsme, le Noachsime, l’enseignement d’Elie Benamozegh “، وكتب “ كلود جيفيل – Claude Gévél ” مقالا في هذا، وأنا أنقله هنا للفائدة، فإن فيه إشاراتٍ مهمةً استطاع الكاتب عرضها بطريقة مثيرة، ونصُّه مترجمًا:

« المعبد المجهول، بقلم إيمي باليير:

العنوان الفرعي لهذا الكتاب هو: «قصة “تحولي” إلى اليهودية». ومن المهم التنبيه -كي لا يقع التباس- على أن كلمة “تحول” قد وُضعت هنا بين هلالين، نشأ إيمي باليير في كنف والدة كاثوليكية شديدة التدين، إلا أنه انجذب، لكنه كان قد انبهر بالوقار الظاهر على الصلوات اليهودية في المعبد، أصيب، خاب أمله في تجاربه الروحية المتتالية.

سيلتقي إيمي بحاخام مدينة ليفورنو “إيليا بناموزيغ” الذي سيوجّهه، ولم يعتنق إيمي باليير الديانة اليهودية قط (بالمفهوم التقليدي)، بل إنه “اتجه” -بالمعنى الأصلي للكلمة- نحو تلك الديانة التي تمثل “الأصل” أو “الأم” للنصرانية، ومن خلال سعيه الحثيث إلى إقامة رابط أساس بين هذين المذهبين وجد “موقفه الروحي” في مذهب «النوحية» ( Noachisme )، وهو دين الإنسانية الموحَّد لعبادة الإله الواحد، وسُمي بهذا الاسم لأنه يعود إلى الميثاق المُبرم بين الخالق والإنسان في شخص نوح.

أدرك باليير حينها أن دوره لم يكن في سلك الكهنوت، ولا في سلك الحبرية الحاخامية، بل في مهمة عالمانية تتمثل في عرض ونشر الرسالة الحقيقية لشعب إسرائيل للعالم أجمع، والمتمثلة في التأكيد على الوحدة والأخوة الروحية للجنس البشري.

هذا هو المثل الأعلى البديع الذي عبر عنه ومارسه إيمي باليير في عشرين عامًا في مقالاته ومحاضراته وخطبه حول العالم، ورغم إخلاصه لتربيته الإيمانية النصرانية الأولى، فقد استقر به الأمر ليقضي أيامه الأخيرة في دير الرهبان البريمونستراتيين في “سان ميشيل دي فريغوليه” قرب أفينيون.

إن البساطة والصدق في هذا النص يجعلان من قصة هذه المغامرة في “أرض الإيمان” نصًّا يُقرأ بشغف واهتمام بالغين » [5] .

النوحية والتصوُّف اليهوديّ:

تقوم العقيدة الصوفية اليهودية على اعتقاد وحدة الوجود، وبالتالي وحدة الأديان، وترى أنه لا مشكلة في الوثنيات، لأن فيها شراراتٍ إلهيةً تحتاج فقط أن تتوهَّج بحطب التوجيه الكهنوتي اليهودي، وعلى رأس هذه الوثنيات “ البوذية “، وكان يقترح على من يريد التحوّل إلى اليهودية أن يبقى في دينه، وينتحل مع ذلك “ النوحية “، أي: الالتزام بالأصول السبعة، فإن عدل الله تعالى عند اليهود اقتضى أن لا يترك غير اليهود هملا بلا شريعة تكفيهم وتصلح أمرهم الأخلاقي والروحي والدنيوي المدني، لكنها تبقيهم مع ذلك أدنى مرتبة من اليهود، فبعد الطوفان تلقى نوح وأبناؤه نوعا من الشريعة الدينية كما يشير إلى ذلك سفر التكوين، وهي شريعة سابقة للشريعة الموسوية وأقل شأنًا وتكليفًا، إذ تحتوي شريعة موسى على 613 قاعدة، وتحتوي الشريعة النوحية على سبعة، وهي الشريعة التي يخاطب بها غير اليهودي من الجويم والعلمانيين، فهم غير ملزمين بغيرها، ولكنهم لا يمنعون من الاستزادة من الشرائع الموسوية، والنوحية هي الديانة الجامعة الهادية للإنسانية، والتي سيجتمع الناس بها حول المسيح المنتظر من نسل الملك داود عندهم، ويبقى لليهود فضل “ الكهنوتية “، باعتبارهم أصحاب “ دين الكهنة “، أي: الشريعة الموسوية [6] .

حاول أحبار اليهود طوال آلاف السنين حماية “ اليهودية ” من “ التلاشي “، أو التخفيف من شدة المنافرة بينهم وبين غيرهم من الشعوب التي احتوتهم أو جاورتهم، واجتهدوا في تطويرها ولو بالتحريف والزيادة والنقصان، وكانت “ النوحية ” من المقترحات التي صاغوها للتخفيف من حدة “ المصادمة ” مع الشعوب الأخرى ودياناتها، ولذلك ظهرت فكرة النوحية في سياق “ المظلومية ” و” الخوف من الآخر “، والرغبة في “ التعايش ” معه، لكن كل ذلك لم يَخْلُ من حالة استعلاء عندهم، ومن غرائب هذا أن تجد صحيفة يهودية زمن الاحتلال الإسباني للمغرب كانت تصدر من تونس، تربط بين “ الإحساس بالخوف ” و” النوحية ” التي اعتبروها “ ديانة الإنسانية ” التي يشرف عليها “ أحبار اليهود “ [7] .

الصفحة التالية