شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

مدخل إلى النوحية اليهودية… ديانة الإنسانية

مركز سلف للبحوث والدراسات • الفقه

تعتبِر النوحية “ الأديان ” -ولو كانت وثنية- مرحلةً وسيطة ممهدة لانتقال الناس إلى “ الوصايا السبعة “، بل ربما إلى “ اليهودية “ [8] ، ولذلك فهي تبدي مسالمةً وتسامحا مؤقَّتين قبل أن يدخل أتباع هذه الديانات إلى “ حظيرة النوحية “، وحينها تبدأ عملية الإخضاع والتهجين والتدجين، ولا تقف “ النوحية ” عند “ النصرانية والإسلام “، بل تتطلَّع إلى كل الأديان العالمية، خاصة البوذية، والتي رأت في انتشارها تسهيلا لخروج الناس من النصرانية والإسلام خاصة، وقد وثّقت حالات اتصال بين أحبار يهود وكبار الرهبنة البوذية لشرح دعوتهم النوحية وإقناعهم بالدخول فيها، وقد كان الدلايلاما القائم بأمر البوذية التبتية مهتمًّا أكثر بالنظر في “ الآليات ” التي استعملها اليهود “ للبقاء ” والحفاظ على “ الهوية “، ولعل من طريف ذلك “ مائدة الطعام ” اليهودية!

لعل أشهر محاولات “ التقارب والتوافق ” بين اليهودية والبوذية كان سنة 1990م عند زيارة وفد من الحاخامات اليهود -ثمانية- للدلايلاما في دارامسالا في الهند؛ ليتعرف كل طرف على “ حكمة ” الآخر و” فلسفته “، واستمرت اللقاءات لمدة أسبوع، وفيهم الحاخام “ المان شاختر شالومي Zalman Schachter-Shalomi”، مؤسس حركة “ التجديد اليهودي – Jewish Renewal”، وفي كتاب “The Jew in the Lotus” للكاتب اليهودي “ رودجر كامينيتز – Rodger Kamenetz” حكاية عن تلك الرحلة ومقاصدها ونتائجها، ويقوم أصل الكتاب على النظر في إمكانية التقارب بين “ اليهودية ” و” البوذية ” على أساس “ الحكمة الأخلاقية ” في الطرفين، وقد زار الدلايلاما فلسطين المحتلَّة بعد ذلك، وأقام صلوات عند حائط المبكى في مارس 1994م، ومن المناسب التنبيه هنا على أن هذا التقارب بدأ باختيار بعض اليهود الأمريكيين البوذيةَ طريقةً في ممارسة الفلسفة الصوفية اليهودية، وسيتطوَّر هذا إلى ظهور مجتمع يهوديّ بوذيّ في الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل وغيرها، وأعطي لمن يسلك هذا المسلك المركب لقب “اليهوبو – JewBu”،أي: اليهودي البوذي، وليس هذا مستغرَبًا إن عرف أن اليهودي قد يكون ملحدًا.

الأبعاد السياسية والثقافية للنوحية في العالم:

لعل أهم مؤشر ودليل على قدرة النوحية على التمثّل السياسي والثقافي ما وقع عام 1991م، فقد صرح الرئيس الأمريكي بوش الأب بأن “ النوحية ” هي الإطار الروحي والأخلاقي والثقافي الجامع لمقاصد العيش المشترَك والتسامح والتنمية والازدهار، باعتبارها “ دينا عالميا ” عابرا للقارات و” مرجعية مركزية ” تدور حولها كل الأنظمة الثقافية والسياسية والاجتماعية، لا تمنعها حدود وطنية سياسية ولا هويات محلية موصوفة بالخصوصية.

تولَّت الولايات المتحدة الأمريكية مسؤولية الترويج السياسي الثقافي، ولم يكتف بالتصريح البوشي، بل وقع هذ الرئيس على قرار مصادَق عليه من طرف الهيئات السياسية الكبرى في أمريكا، وهما مجلس النواب ومجلس الشيوخ، وكان ذلك الإعلان العام رقم: 102-14، ومضمونه جعل النوحية أصلا للإستراتيجية التربوية والتعليمية في الولايات المتحدة الأمريكية، ومرجعا للقيم الحضارية الإنسانية الواجب تعميمها على العالم، ووُصِف واضع “ الدعوة النوحية ” “ مناحيم مندل شنيرسون ” بأنه إمام القيم الأخلاقية المؤسّسة لرفاهية البشرية، ويرى بعض الباحثين أن “ النوحية ” أصبحت الأساس للبعد الديني في الإستراتيجية الوطنية الأمريكية والإطار الأخلاقي الموجِّه للسياسات الداخلية والخارجية، وهذا يعني أن تصبح “ النوحية ” مرجعا شبه دستوري للقوانين الأمريكية وفق التأويل الحاسيديمي!

اللوبافيتش:

اللوبافيتش حركة يهودية متصوِّفة قبالية من “ الحسيديم “، ولعلها أقوى الحركات أثرا ونفوذا في عالم المال والسياسة، وشيخ طريقتها هو “ مناحيم مندل شنيرسون “، ولها “ سلطة ” دينية ومالية على كثير من الأشخاص والمؤسسات في العالم، وقد وصلت أذرعها إلى بعض بلاد المسلمين مستغلَّة الثغرات التاريخية، مثل وجودٍ يهوديٍّ قديم في بعض بلاد المسلمين وغير ذلك، وهي حركة ضاغطة في السياسة الأمريكية، ينبني فكرها ومشروعها على “ المشيانية “، أي: انتظار ظهور “ المنتظر ” القائم بإصلاح العالم، أو ما يسمَّى “ تيكين أولام “، والتي يحتاج لتحقيقيها إلى “ مشروع سياسي “، وهم يزعمون أن الحاخام شنيرسون هو “ المسيح المنتظر “، أي: أن الحركة تعيش الآن حالات “ الفعل الإصلاحي “، ومن دعواتها المثيرة: “ النوحية “، أو “ بني نوح “، ويتولى أمرها مؤسسات ومراكز وشخصيات متفرغة لذلك، ومنها المركز العالمي لبني نوح أو النوحية، “ Noahide World Center “، ويقوم عليه حاخام يدعى: أوري شِركي “ Oury cherki”،وللمركز موقع [9] وقناة على اليوتيوب وحسابات في الشبكات الاجتماعية، ومثله مركز القوانين النوحية في الولايات المتحدة الأمريكية، وقد أصدر هذا المركز كتيبا باللغة الإنجليزية يشرح أصول الدعوة ومبادئها ومقاصدها بعنوان: “ Divine Image ” وعنوانها الفرعي: “ Insights into the Noahide Laws Through the light of Torah and Chabad philosophy “، أي: “ إطلالات على شرائع نوح في ضوء التوراة وفلسفة حركة حباد “، إعداد الحاخام “ يعقوب دوفيد كوهين – Yakov Dovid Cohen “.

النوحية والهويات الوطنية:

يصف الباحث الفرنسي بيير هيلارد المشروع الديني والسياسي لحركة اللوبافيتش بـ” إمبراطورية اللوبافيتش “، ويكشف في كتابه عنها عن استعمالها للنوحية باعتبارها أداة جيوسياسية لتفكيك نموذج الدولة الوطنية ذات السيادة والخصوصية الهوياتية، ويمهّد لهذه المعاهدات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان والقوانين الدولية التي وضعت لاختراق “ الهويات ” و” إسقاط ” الممانعات الثقافية والدينية للشعوب، وتكون النوحية هي البديل في شكلها العام، ثم تتطور هذه النوحية داخل كل “ ثقافة ” بالشكل المناسب كما تفعل الوثنية إذا تسربت إلى شريعة توحيدية، لكن يستثنى من كل هذه الهويات هوية واحدة هي “ الهوية اليهودية “؛ لأنها خارجة عن خطاب “ النوحية “، ومستمدة خصوصيتها من “ التلمود ” وما يليه.

الصفحة السابقة الصفحة التالية