شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

مدخل إلى النوحية اليهودية… ديانة الإنسانية

مركز سلف للبحوث والدراسات • الفقه

«لكي يكون الله موجودًا في الوعي الحديث ينبغي الشروع في “تجديد شبابه”، حيث يتعين على مختلف الأديان أن تتخلى عن خصوصياتها العقائدية والطقوسية، أو على الأقل، ألا توليها إلا أهمية ثانوية، وبذلك يتم استخلاص هيكل يشكِّل الجانب الأخلاقي فيه العمود الفقري.

إن النموذج ذاته لهذه الديانة الأولية المستقبلية يمكن لبني إسرائيل أن يقدموه للعالم الحديث. تقر النوحية ( Noachisme ) بأن جميع الأديان لها قدر مشترك ومظاهر مختلفة، يمكن أن تتباين حسب العصور أو الأهواء، وينتهي الأمر خصوصًا إلى دين طبيعي أو يكاد، يتوافق تمامًا مع “إقرار إيمان الكاهن السافوي”! يا له من تجسد مدهش للمسيانية !» [10] .

الهدف الأكبر في النوحية والمقصد الأخير أن يتخلّى “ النوحي ” فيما بعد عن دينه الأصلي وهويته الأم، أو أن يبقِي ظاهر دينه في عبادات وطقوس، ويجعل باطنه ديانة أخلاقية يهودية، تكاد تشبه الديانة الطبيعية التي اقترحها “ الربوبيون ” الغربيون، و” تجدد ” صورة الإله وفق المناسب لأهواء الناس، وتنزع عنه صفات الإلهية وتلبسها الإنسانية على الأرض، على رأسها “ كهنة اليهود ” الموكلون بأمر توجيهها وتعليمها، والمقصود بإيمان الكاهن السافوي في النص السابق “ La Profession de foi du Vicaire savoyard ” الإحالة إلى كتاب جون جاك روسو في كتابه “ إيميل “.

ليس “ بنو نوح ” في هذه الدعوة سوى “ الجويم ” في الخطاب التلمودي، وعلى هذا ينبني تصوير موقف “ اليهودي ” من “ الدعوة ومشتقاتها “، فالجويم مرتبة دنيا، وهم محل “ الرعاية ” من اليهود شعب الله المختار، الذين يتولَّون قيادتهم إلى ما يصلح حالهم وينفعهم، وعند التحقيق قد يكون كثير من الناس “ نوحية ” مثل المسلمين، لكن المميز في هذه الدعوة على الطريقة اليهودية هو مقام اليهود أنفسهم فيها، فهم الكهنة، ونحن عامة الناس الذين يسعى اليهود إلى جمعهم في “ أخوية ” خاصة تحت أعينهم، فهم “ شراح ” أصول النوحية، وهم “ القضاة ” عند الاختلاف فيها.

إن مقتضى “ النوحية ” تجاوز الشريعة الموسوية والعيسوية والإسلامية، أما النصارى فهم تبع لهم في شريعة موسى كما يزعمون، بل من دعوتهم تحويل النصرانية إلى “نصرانية إسرائيلية”، وقد نجحوا في ذلك، والشاهد بيان البابا الخاتم لأحداث “ مجمع الفاتيكان الثاني “، وأما المسلمون فهم الفئة المتمنِّعة من هذه الدعوة اليهودية؛ لأن لهم شريعتهم النازلة من عند الله تعالى [11] ، وهي الواجبة على العالم عند التحقيق بمقتضى ختم النبي صلى الله عليه وسلم للرسالات والنبوات.

وخلاصة كل هذا أن النوحية دعوة إلى صناعة “ موحَّدين ” وإن لم يكونوا “ موحِّدين “، وهي الوسيط بين “ الإبراهيمية ” وبين “ الآدمية “ [12] ، أي: “ دين الأخوة الإنسانية الآدمية ” الذي تسقط معه كل الشرائع والقوانين، ويستوي فيه عابد الرحمن وعابد الأوثان، والموحِّد والملحِد.

هذا مقال قصدتُ به إثارة الانتباه إلى هذا الموضوع؛ ليخوض فيه الباحثون المسلمون، فقد تعدَّدت المؤامرات والهدفُ واحد: إسقاط النبوة والوحي؛ لاستعباد الناس.

ــــــــــــــــــــــ

(المراجع)

[3] ينظر في كتاب ” la communauté juive de livourne ” لـ”Lionel Levy”.

[4] ينظر خاصة فيما كتبه من الصفحة 613 إلى الصفحة 632.

[11] ينظر:

الصفحة السابقة