شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

معاني الكشف والإلهام عند المتصوفة

مركز سلف للبحوث والدراسات • الحديث الشريف

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة

أولا – ملخص :

في هذا المقال تطرقت إلى الكتابة حول معاني الكشف والإلهام عند المتصوفة ، وهما من مصادر الاستدلال والتلقي والحكم عندهم ، مبينا أنهم مع استدلالهم بالقرآن الكريم والحديث النبوي استدلوا بالرؤى والمنامات والإلهامات في أقوالهم وأذكارهم وأورادهم وأحوالهم .

وتتمثل إشكالية البحث في الأسئلة الآتية : ما هو الكشف والإلهام الذي يأتي للمتصوفة ؟ ، هل هو من نوع الكرامات الخاصة ، أم هو معرفة عامة لكل الناس ، ولماذا يعد مصدرا للعلوم الإلهامية والتي توازي العلوم التعليمية ، وهل يستطيع المتصوف ترك طلب العلوم التعليمية ، ويستغني عنها بالعلوم الإلهامية ؟ ، وهل يمكن تفسير الآيات القرآنية وتصحيح الأحاديث النبوية أو تضعيفها بواسطة الكشف والإلهام والرؤى ؟ ، وهل يؤدي الكشف إلى معتقدات وأحكام ليست من الدين الإسلامي ؟ .

في هذا المقال أكتب لتوضيح رؤية المتصوفة لموضوع الكشف والإلهام ونتائجه ، مع نقد تلك الرؤية وتقييمها وفقا لما ورد في القرآن الكريم والحديث النبوي الصحيح ، مستخدما اقتباس النصوص والأقوال ونقلها ، ليتبين وجه الحق والحقيقة فيما أنقل أو أقتبس .

ومن المؤلفات التي عالجت هذا الموضوع كتاب موقف الإسلام من الإلهام والكشف والرؤى ومن التمائم والكهانة والرقى ليوسف القرضاوي ، وفي هذا الكتاب توصل الشيخ إلى أن الإلهام والكشف والرؤى ليست من أدلة الدين الإسلامي ، ويؤخذ بها إذا لم يكن في المسألة أي دليل شرعي ، سواء من الأدلة المتفق عليها أو المختلف فيها ، إلا أن المتصوفة لم يتقيدوا بهذا القيد ، فكانت كثير من كشوفاتهم وأقوالهم معارضة للشريعة الإسلامية .

وفي هذا البحث أريد أن أبين أن الكشف أو الإلهام من باب الكرامة التي تختص بصاحبها دون غيره ، يأتيه عند اشتداد هموم الحياة ومشاغلها عليه ، للبشارة أو التوجيه أو الإرشاد أو التحذير أو الإنذار ، هذا إن كان خيرا ، أما إن كان معصية أو مخالفة لما في القرآن الكريم أو الحديث النبوي ، فهو من وساوس الشيطان وهوى النفس الأمارة بالسوء .

وأما أهداف البحث فتتمثل فيما يلي :

1 – بيان أن المتصوفة اعتمدوا الكشف والإلهام والرؤى والمنامات مصادر استدلال .

2 – بيان أن المعرفة التي يتلقونها من مصادر الاستدلال الخاصة بهم ، معرفة متغيرة من متصوف إلى آخر ، ولا يمكن الاستناد إليها أو التعويل عليها ضمن العلوم والمعارف .

وأهم النتائج التي توصلت إليها هي أن المتصوفة أصابوا وتوافقوا مع مرجعيتهم الدينية حين استدلوا بالقرآن الكريم والحديث النبوي ، وأخطأوا حين فسحوا المجال لرؤاهم ومناماتهم وخواطرهم ليستدلوا بها في تأصيل أذكارهم وأورادهم وأحاديثهم ، وليضيفوا إلى الدين الإسلامي ما لم يرد فيه .

الكلمات المفتاحية : الكشف – الإلهام – المتصوفة – القرآن الكريم – الحديث النبوي .

ثانيا – مقدمة :

تعددت مصادر التصوف ومنابعه ، وهناك من يقول إنه إسلامي المصادر والمنابع ، ولم يقتبس من غير الإسلام شيئا ، وهناك من يقول إن مصادره إسلامية إلا أنه اقتبس من الديانات والملل المختلفة بعض المبادئ والمثل والأخلاق التي اعتنقها متصوفو تلك الديانات .

وكما تعددت مصادر التصوف تعددت المعرفة الصوفية إلى المعرفة المقتبسة من القرآن الكريم والحديث النبوي ، والتي تعرف بالمعرفة التعليمية المكتسبة ، وإلى المعرفة الإلهامية التلقائية المباشرة التي لا تحصل عن تحصيل وتعلم ، وإنما تحصل بالكشف والإلهام ، وهذه صاحبها قد يصل إلى درجة النبوة ، ليست نبوة التشريع ، ولكن نبوة في ظل الدين الإسلامي ، أو نبوة خاصة في ظل التصديق بنبوة النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، بحيث يمكن تسمية الأولياء بالأنبياء ، كما قال محي الدين بن عربي : “فإن النبوة التي انقطعت بوجود رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما هي نبوة التشريع لا مقامها ، فلا شرع يكون ناسخا لشرعه صلى الله عليه وسلم … وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم : (إن الرسالة والنبوة قد انقطعت فلا رسول بعدي ولا نبي) ( [1] ) ، أي لا نبي بعدي يكون على شرع يخالف شرعي ، بل إذا كان يكون تحت حكم شريعتي … فإنه لا خلاف أن عيسى عليه السلام نبي ورسول ، وأنه لا خلاف أنه ينزل في آخر الزمان حكما مقسطا عدلا بشرعنا لا بشرع آخر ولا بشرعه الذي تعبد الله به بني إسرائيل …. فهذا نبي ورسول قد ظهر بعده صلى الله عليه وسلم وهو الصادق في قوله أنه لا نبي بعده ، فعلمنا قطعا أنه يريد التشريع خاصة وهو المعبر عنه عند أهل النظر بالاختصاص ، وهو المراد بقولهم : إن النبوة غير مكتسبة ، وأما القائلون باكتساب النبوة فإنهم يريدون بذلك حصول المنزلة عند الله المختصة من غير تشريع ..” ( [2] ) .

وكما قال الحكيم الترمذي : “والولي المحدث ما له سوى الحديث وما ينتجه من الأحوال والأعمال والمقامات ، فكل نبي محدث وما كل محدث نبي وهؤلاء هم أنبياء الأولياء … وأما الأنبياء الذين لهم الشرائع فلابد من تنزل الأرواح على قلوبهم بالأمر والنهي ، وما عدا ما ينزلون به من الأمر والنهي مثل العلوم الإلهية والإخبارات عن الكوائن والأمور الغائبة ، فذلك خارج عن نبوة الشرائع ، وهو من أحوال الأنبياء على العموم ، ويناله المحدث” ( [3] ) .

ومن خلال هذين القولين يتبين أن المتصوفة يؤمنون بختم نبوة التشريع برسالة النبي محمد ﷺ ، وأن القرآن الكريم هو آخر الكتب السماوية ونهاية الشرائع ، فلا نبي ولا رسول يأتي بكتاب جديد ناسخ للشريعة الإسلامية بعد محمد صلى الله عليه وسلم ، أو لا نبي بعده يكون صاحب شريعة ، أو يأتيه الوحي الإلهي دون متابعته ، حيث اكتمل الدين ببعثته ، وهذا يعني استمرار مكالمة الله للبشر ، أو تواصل الوحي الإلهي والذي يعد مصدر الكشف والإلهام .

ثالثا – الموضوع :

1 – تعريف الكشف والإلهام :

الصفحة التالية