شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

معاني الكشف والإلهام عند المتصوفة

مركز سلف للبحوث والدراسات • الحديث الشريف

الكشف من حيث اللغة ، هو رفع الشيء عما يواريه ويغطيه ، وكشف الأمر أظهره ، وفي الأثر : لو تكاشفتم ما تدافنتم ، أي لو علم بعضكم سريرة بعض لاستثقل تشييع جنازته ودفنه ، جاء في قوله تعالى : (ليس لها من دون الله كاشفة) النجم [57] ، أي لا يكشف الساعة إلا رب العالمين ( [4] ) ، وجاء في قوله تعالى : (لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد) سورة ق [22] ، أي لقد كنت في غفلة من هذا اليوم ، فكشفنا اليوم عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد أي قوي ، لأن كل واحد يوم القيامة يكون مستبصرا ، حتى الكفار في الدنيا يكونون يوم القيامة على الاستقامة ، لكن لا ينفعهم ذلك ، جاء في قوله تعالى : (ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رءوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون) السجدة [12] ( [5] ) .

والإلهام من حيث اللغة ، هو ما يلقى في الروع ، ويختص ذلك بما كان من جهة الله تعالى ، وجهة الملأ الأعلى ، أو هو أن يلقي الله في النفس أمرا يبعث الملهم على الفعل أو الترك ، وهو نوع من الوحي ، يخص الله به من يشاء من عباده ، جاء في قوله تعالى : (فألهمها فجورها وتقواها) الشمس [8] ، وجاء في قوله صلى الله عليه وسلم : (هذا رسول رب العالمين ، جبريل عليه السلام نفث في روعي ، أنه لا تموت نفس حتى تستكمل رزقها وإن أبطأ عليها ، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب ، ولا يحملنكم استبطاء الرزق أن تأخذوه بمعصية الله ، فإن الله لا ينال ما عنده إلا بطاعته) ( [6] ) ( [7] ) .

أما عند المتصوفة فقد عرفا بتعاريف عديدة منها :

1 – هما المعرفة القلبية المباشرة : حيث يتساوى الأنبياء والأولياء في تلقي الوحي والإلهام ، والفرق هو أن الأنبياء يأتيهم الملك جبريل عليه السلام ، بينما الأولياء يتلقون بواسطة الإلهام والرؤيا والمنام ، روي عن الجنيد قوله : كلام الأنبياء عليهم الصلاة والسلام عن حضور ، وكلام الصديقين إشارات عن مشاهدات ( [8] ) ، وروي عنه قوله : ما أخذنا التصوف عن القال والقيل ، بل عن الجوع وترك الدنيا وقطع المألوفات ( [9] ) ، وروي عن أبي يزيد البسطامي قوله : “ما المحدِّثون ؟ إن خاطبهم رجل عن رجل ، فقد خاطبنا القلب عن الرب” ( [10] ) .

2 – هما عبارة عن نور يظهر في القلب عند تطهيره وتزكيته من صفاته المذمومة ، وينكشف من ذلك النور أمور كثيرة كان يسمع من قبل أسماءها فيتوهم لها معاني مجملة غير متضحة ، فتتضح إذ ذاك حتى تحصل المعرفة الحقيقية بذات الله سبحانه وبصفاته الباقيات التامات .. والمعرفة بمعنى النبوة والنبي .. ( [11] ) .

3 – هما نور يحصل للسالكين في سيرهم إلى الله تعالى ، يكشف لهم حجاب الحس ، ويزيل دونهم أسباب المادة ، نتيجة لما يأخذون به أنفسهم من مجاهدة وخلوة وذكر ، فتنعكس أبصارهم في بصائرهم ، فينظرون بنور الله ، وتنمحي أمامهم مقاييس الزمان والمكان ، فيطلعون على عوالم من أمر الله اطلاعا لا يستطيعه من لا يزال في قيد الشهوات والشكوك .. ويرجع هذا إلى أن العبد إذا انصرف عن الحس الظاهر إلى الحس الباطن تغلبت روحه على نفسه الحيوانية المتلبسة ببدنه ، والروح لطيفة كشافة ، فيحصل له حينئذ الكشف ، ويتلقى واردات الإلهام ( [12] ) .

4 – هما بيان ما يستتر على الفهم ، فيكشف عنه للعبد كأنه رأي عين ، ومكاشفات العيون بالإبصار ومكاشفات القلوب بالاتصال ، وذلك بطريق التجلي الإلهي إما بالتنزل أو بالعروج أو بمنازلات الأسرار ( [13] ) .

ومن هذا التعريف يتبين أن المتصوفة يعتقدون أن الكشف والإلهام يتصل بالتجربة العملية التي يعانيها المتصوف ويعيشها ، والتي يكون من ثمارها الفيض الإلهي والاطلاع على المغيبات والوصول إلى اليقين ، وهذا يبين أن منهج الكشف والإلهام هو منهج وجداني روحي ينطلق من داخل النفس ، ويختلف عن المنهج المستند إلى المعرفة الحسية والعقلية .

ومن هذا التعريف كذلك يتبين أن طريق الكشف والإلهام في المعرفة الصوفية يتمثل في التجلي الإلهي والذي يعني إشراق أنوار الحق على القلوب والأفئدة ، بالتنزل أي تجلي الله في أسمائه وصفاته ، أو العروج أي ارتقاء الروح من عالم الدنيا المليء بالاضطراب والقلق إلى القرب الإلهي المليء بالأنس والاطمئنان والسكينة ، أو منازلات الأسرار أي ظهور الحقائق الغيبية .

5 – هما الاطلاع على ما وراء الحجاب من المعاني الغيبية والأمور الحقيقية وجودا وشهودا ( [14] ) ، ويعني هذا التعريف رفع الحجب النفسية والبدنية مثل الشهوات ووساوس النفس والشيطان ، لتتجلى للقلب حقائق الغيب بحيث يصير الغيب شهادة .

وقد أورد المتصوفة ثمارا للكشف والإلهام وآثارا عديدة منها :

1 – حضور القلب ومشاهدة الملائكة وأرواح الأنبياء وتجليات الأسماء الإلهية ، مع عدم الحاجة عند هذه الحالة إلى الاستناد إلى أي دليل من الأدلة النقلية أو العقلية ، والعلم بالغيب بحسب طاقة العبد ( [15] ) ، وفي هذا قال أبو حامد الغزالي : “ومن أول الطريقة تبتدئ المكاشفات والمشاهدات ، حتى إنهم في يقظتهم يشاهدون الملائكة وأرواح الأنبياء ، ويسمعون أصواتا ويقتبسون منهم فوائد ، ثم يترقى الحال من مشاهدة الصور والأمثال إلى درجات يضيق عنها النطق ، فلا يحاول معبر أن يعبر عنها إلا اشتمل لفظه على خطإ صريح لا يمكن الاحتراز عنه ” ( [16] ) .

2 – ملكة استنباط الأحكام الواجبة والمندوبة والمحرمة والمكروهة في طريق التصوف مثل استنباط أحكام الفقه العملية ، وفي هذا قال عبد الوهاب الشعراني : “ثم إن العبد إذا دخل طريق القوم وتبحر فيها أعطاه الله هناك قوة الاستنباط ، نظير الأحكام الظاهرة على حد سواء ، فيستنبط في الطريق واجبات ومندوبات وآدابا ومحرمات ومكروهات وخلاف الأولى ، نظير ما فعله المجتهدون” ( [17] ) .

3 – إيجاب طلب علم الحقيقة وفرضيته كفرضية طلب علم الشريعة ، وفي هذا أورد الشعراني عن محمد المغربي الشاذلي قوله : “وكفى شرفا بعلم القوم قول موسى عليه السلام للخضر عليه السلام : (هل اتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا) الكهف [65] ، وهذا أعظم دليل على وجوب علم الحقيقة كما يجب طلب علم الشريعة” ( [18] ) .

الصفحة السابقة الصفحة التالية