العلاقة بين الحاكم والمحكوم من خلال (التحرير والتنوير) للطاهر ابن عاشور دراسة بلاغية أصولية لآيتي سورة النساء
مركز سلف للبحوث والدراسات • الفقه
للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة
مدخل:
من التأصيلات المهمة التي تدل على سعة عقل شيخ الإسلام ابن تيمية ونظرائه ممن يحسنون تثوير كتاب الله تعالى واستخراج ما فيه من كنوز الإيمان والعلم والعمل رد فقه المعاملة بين الراعي والرعية في باب السياسة الشرعية إلى قوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: 58، 59]، وقد كان كلامه صريحا في الكشف عن جهة التأسيس في ذلك فقال: «وهذه الرسالة مبنية على آيتين في كتاب الله، وهي قوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا …. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ …﴾» [1] ، وبيان ذلك في تفاصيل هذه الرسالة اللطيفة في بابها المسماة “ السياسة الشرعية بين الراعي والرعية “، وقد أثار هذا الانتباه للنظر في مسالك “ مصدرية ” أخرى يمكن أن تكون استثارت مكنون هاتين الآيتين بطريقة مختلفة، وقد رأى مركز سلف للبحوث والدراسات أن يجعل ذلك عن طريق ما حرره العلامة الطاهر ابن عاشور في تفسيره “ التحرير والتنوير “، ووُضِعت نتائج الدراسة في هذه الورقة العلمية المسماة: “ العلاقة بين الحاكم والمحكوم: قراءة بلاغية من خلال التحرير والتنوير للعلامة الطاهر بن عاشور “.
تعد “ السياسة ” فرعا من الفلسفة العملية، إلى درجة أن علقت جدارية كبيرة للوحة “ مدرسة أثينا ” التي تصور اجتماعا كبيرا للفلاسفة من مختلف العصور في وجه ممثلي الشعب الفرنسي في “ الجمعية الوطنية “، وقد كتب في هذا الفرع المتقدمون والمتأخرون من بني البشر في حضارات مختلفة، في الصين والهند، وفي اليونان، ثم في فرنسا وبريطانيا، ثم تواترت الكتابات في ذلك إلى “ التخمة “، وكان المقصد من ذلك هو استنباط قوانين يحسن بها “ تدبير ” الدولة ضمن أخلاق عملية ناظمة للمصالح والقيم، ومن أشهر من نظّر لهذا جون جاك روسو، الذي كتب في “ عقده “: « أريد البحث عن إمكان وجود قاعدة إدارية شرعية صحيحة في النظام المدني عند النظر إلى الناس، كما هم عليه وإلى القوانين كما يمكن أن تكون عليه، وسأحاول أن أمزج دائما بين ما يبيحه الحق وما تأمر به المصلحة، وذلك لكيلا يفصل بين العدل والمنفعة مطلقا » [2] .
وقد كان الكتاب قائما على إيجاد عقد يقوم على تحقيق المبدأين: المنفعة والمصلحة مع العدل في ذلك، وهذا هو روح القوانين أو روح الشرائع عند مونتسكيو، وعليهما بنى أصل رعاية نوعي الحقوق في الدولة، قفال: « والناس إذ هم عائشون في مجتمع يجب حفظه تكون لهم قوانين سائدة لصلة الحكام بالرعية، وهذه هي الحقوق السياسية، ويكون للناس أيضا من القوانين ما يسود صلة جميع الأهلين فيما بينهم وهذه هي الحقوق المدنية » [3] ، فسواء تعلق الأمر بالعلاقة بين الراعي والرعية أو بين أفراد الرعية، فهناك قوانين وضعت لحفظ المصالح في محفظة العدل.
المصطلحات الأصول في هذا البحث:
إن المعرفة المصطلحية من أهم ما ينبغي الاشتغال به تأسيسا ودفعا، أما دفعا فإن للأمة حدودا اصطلاحية تحمي بها نفسها من كل مصطلح طارئ يهدم جزءا من البناء المفهومي للشريعة، وأما التأسيس فإن المصطلح القرآني أس لكل انطلاقة حضارية لما يحتمله من زخم كبير من المفاهيم النفسية والاجتماعية والتاريخية وغيرها. فالمصطلح القرآني -وهو المصطلح الأم- مصطلح محكم في بنيته اللغوية، مبين ومفصل المعنى في مفهومه… ويكفي أن معرفة المصطلح القرآني شرط في تحصيل العلوم القرآنية… قال الراغب الأصفهاني في مقدمة المفردات: « إن أول ما يحتاج أن يشتغل به من علوم القرآن العلوم اللفظية.. ومن العلوم اللفظية تحقيق الألفاظ المفردة.. فتحصيل معاني ألفاظ القرآن…» [4] .
وأما في خصوص هذا البحث، فيمكن معرفة طبيعته وأهميته بملاحظة المصطلحات المستعملة في نصه، لأنه عليها مدار البناء المفاهيمي، ولأنها أركان الخطاب ومحددات المجال، واعتبار هذا الضابط يكشف عن محل مثل هذا البحث من تفسير الطاهر ابن عاشور، فيكفي استعراض ذلك النوع من النص العاشوري لتأكيد هذا، فمنها العقل والعلم والشريعة، والأمانة والعدل، والولاية والمصلحة والأمة، والحكام والأمير والوالي، والرعية والنظام والتدبير، وغيرها، وهذا كاف لبيان الوجهة التي ولاها الطاهر ابن عاشور في تحليل مضمون الآيتين وتركيب النموذج القرآني للعلاقة بين الراعي والرعية.
الراعي والرعية والرعاية:
يسخر بعض العلمانيين من استعمال عبارات “ الراعي ” و” الرعية ” في التراث السياسي الإسلامي، زاعمين أنه الدليل على أن نظرة الإسلام إلى الشعوب نظرية احتقار لأنه يعتبرهم خرفانا تساق وترعى، ولم ينتبه هؤلاء إلى أن أصل المعاني المضمنة في “ الراعي ” و” الرعية ” راجعة إلى مفهوم “ الرعاية ” عن قرب، لا “ الرعي “، والأول أعم، والثاني أخص، أخص برعاية البهائم في إخراجها إلى المواضع التي تجد فيها علفها النابت في الأرض، وحفظها من المعتدين، وقد نبه الراغب الأصفهاني على أن هذا المعنى مجعول « للحفظ والسياسة، قال تعالى: ﴿ فَمَا رَعَوهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: 27] أي: ما حافظوا عليها حق المحافظة، ويسمى كل سائس لنفسه أو لغيره راعيا » [5] ، ومعنى الحفظ موجود في الرعي، لأن إثباته في الأعم يستلزم إثباته في الأخص، ولذلك قال الطاهر ابن عاشور: « والرعي الحفظ، أي: ما حفظوها حق حفظها، واستعير الحفظ لاستيفاء ما تقتضيه ماهية الفعل » [6] ، ومما ينتقد على الشيخ الطاهر هنا أنه مال عن الكلمة القرآنية الواردة في الآية -وهي “ الرعاية “- ميلا غير مستساغ إلى كلمة “ الرعي “.