العلاقة بين الحاكم والمحكوم من خلال (التحرير والتنوير) للطاهر ابن عاشور دراسة بلاغية أصولية لآيتي سورة النساء
مركز سلف للبحوث والدراسات • الفقه
يثير انتباه القارئ ربط الراغب بين “ الرعاية والحفظ ” و” السياسة “، وهو ربط مطابقة، فالسياسة مبنية على رعاية مصالح المسوس، وقد صح في الحديث: « كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء » [7] ، أي: تقوم على رعاية وحفظ وإقامة مصالحهم أنبياؤه، ولا يكون ذلك إلا عن طريق عقد وعهد بين الطرفين.
العقد بين الحاكم والمحكوم:
الأصل في هذا آيات من كتاب الله، وأقتصر منها هنا على قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُود ﴾ [المائدة: 1] لأنها أشمل وأعم، وهي أصل من أصول الباب، قال العلامة الطاهر ابن عاشور رحمه الله: « التعريف في العقود تعريف الجنس للاستغراق، فشمل العقودَ التي عاقد المسلمون عليها ربّهم وهو الامتثال لِشريعته، وشَمل العقود التي عاقد المسلمون عليها المشركين، ويشمل العقود التي يتعاقدها المسلمون بينهم » [8] ، وقبله قال ابن العربي المالكي: « وربط العقد تارة يكون مع الله، وتارة مع الآدمي، وتارة بالقول، وتارة بالفعل » [9] ، وقد لاحظ بعض العلماء -واعتبره الآلوسي من المتأخرين- في العقد بهذا المفهوم معنى الإلزام، فقال الآلوسي: « واختار بعض المفسرين أن المراد بها ما يعم جميع ما ألزمه الله تعالى عباده وعقد عليهم من التكاليف والأحكام الدينية، وما يعقدونه فيما بينهم من عقود الأمانات والمعاملات ونحوهما مما يجب الوفاء به، أو يحسن دينا، ويحمل الأمر على مطلق الطلب ندبا أو وجوبا، ويدخل في ذلك اجتناب المحرمات والمكروهات لأنه أوفق بعموم اللفظ، إذ هو جمع محلى باللام وأوفى بعموم الفائدة » [10] ، ويعرفه العلماء بأنه: “ ارتباط إيجاب وقبول على وجه مشروع يثبت أثره في محله “، فالعقد على هذا منشئ لالتزام من طرف واحد أو بين طرفين, وعليه قامت “ نظرية الالتزامات ” في القوانين المدنية الوضعية الحديثة التي راعت جانب الإرادة والإلزام والحق بين أصحابه وأولي الأمر.
أولو الأمر عند ابن عاشور:
يحقق الطاهر ابن عاشور معنى أولي الأمر في الآية بكونهم « من عدا الرسول من الخليفة إلى والي الحسبة، ومن قواد الجيوش ومن فقهاء الصحابة والمجتهدين إلى أهل العلم في الأزمنة المتأخرة، وأولو الأمر هم الذين يطلق عليهم أيضا أهل الحل والعقد » [11] .
أولو الأمر إذن أصناف: الخليفة، وأقل منه الملك والأمير، وولاة الأمصار وقواد الجيش والفقهاء، وكل هؤلاء يجمعهم شيء واحد، وهو “ إسناد تدبير شؤون الرعية ” كلا أو بعضا، وكانت عبارة الطاهر ابن عاشور: « فأولو الأمر من الأمة ومن القوم هم الذين يسند الناس إليهم تدبير شئونهم ويعتمدون في ذلك عليهم، فيصير الأمر كأنه من خصائصهم، فلذلك يقال لهم: ذوو الأمر وأولو الأمر، ويقال في ضد ذلك: ليس له من الأمر شيء » [12] ، فخاصتهم إذن أنهم “ المسند إليهم ” ذلك و” المعتمد عليهم ” فيه، ولذلك أضيف الأمر والشأن الذي هو “ تدبير الشؤون ” إليهم، فهي علاقة إسناد للتدبير ووكالة بالإدارة.
باطنية العلاقة بين الحاكم والمحكوم:
يصف الطاهر ابن عاشور العلاقة بين الحاكم والمحكوم بأنها “ استئمان” على رعاية مصالح المحكوم، وذلك هو أداؤها ، ويستعمل عبارة “ الإسناد “، وفي الحديث: « إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة »، قالوا: كيف إضاعتها يا رسول الله؟ قال: « إذا أسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة » [13] ، وعبارة ابن عاشور كما سبق التنبيه عليه: « فأولو الأمر من الأمة ومن القوم هم الذين يُسند إليهم تدبير شؤونهم، ويعتمدون في ذلك عليهم فيصير الأمر كأنه من خصائصهم » [14] ، فهي مصالح المحكوم يدبر أمرها الحاكم.
تقوم العلاقة بين الحاكم والمحكوم على أمرين يعدهما الطاهر “ قوام الأمة “، هما: تناصح الأمراء والرعية ، وانبثات الثقة بينهم [15] ، أما التناصح فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « الدين النصيحة »، قلنا: لمن يا رسول الله؟ فقال: « لله ورسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم » [16] ، فنصيحة المحكوم للحاكم بطاعته وإعانته بالقول والعمل، ويتولى التصحيح والتنبيه والوعظ والتذكير نيابة عن الأمة من يسمون “ أهل الحل والعقد “… وأما الثقة فأصل خطير، وترجع هذه الثقة إلى اعتقاد العدالة والأمانة في الحاكم المُوَلَّى، المسند إليه أمر رعاية مصالح الرعية المحكومة، وهذه الثقة تنتج المحبة بين الجهتين، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم »، قلنا: يا رسول الله، أفلا ننازعهم؟ قال : « لا، ما أقاموا الصلاة، ألا من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئا من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية، ولا ينزعن يدا من طاعة » [17] .
هي إذن علاقة مبنية على الثقة والتناصح المنتجين للمحبة بين الجهتين، فإذا تحققت المحبة قويت العلاقة وأثمرت إقامة كل طرف الواجب الذي عليه، وهو ما يعني قوة الدولة وصحتها وسريان دم التنمية فيها، ولضمان هذا لا بد من تحقيق جودة التدبير من الجهة الموكل إليها إقامة القوة السلطوية التنفيذية، ويكون ذلك باشتراط ما يؤهل هذه الجهة للقيام بهذا العمل.
شروط الراعي:
وضع العلماء متابعة لظواهر النصوص واستنباطا من بواطنها شروطا شرعية للراعي تؤهله وتصحح وكالته شرعا، باعتبارها الشروط الذاتية الطبيعية لسلامة التصرف والتدبير فـ « لمَّا أمر الله بطاعة أولي الأمر علمنا أن أولي الأمر في نظر الشريعة طائفة معينة، وهم قدوة الأمة وأمناؤها، فعلمنا أن تلك الصفة تثبت لهم بطرق شرعية إذ أمور الإسلام لا تخرج عن الدائرة الشرعية » [18] .