شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

نقد كتاب “آخر أيام محمد” لهالة الوردي الجزء الأول

مركز سلف للبحوث والدراسات • مذاهب فكرية في الميزان

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة

مقدمة:

لاحظ العلماء أنَّ الاستشراق بعد أن انكشَفَت مكايدُه وظهر مكرُه نقلَ الأمر إلى نوع جديد وغريبٍ من الاستشراق، وهو استشراقٌ يقوم به باحثون من أصول شرقيّة أو من أصول البلدان التي سلَّط المستشرقون عليها كيدَهم، فكانوا يستقبلون شبابًا من البلدان الإسلامية والعربية في جامعاتهم في باريس وغيرها، ويلقِّنونهم ويصنعونهم على أعينهم، ويربونهم على أساليب المكر والكيد والتدليس والكذب والتزوير في مقابل تمكين اجتماعيٍّ ومالي، ومن ذلك امرأةٌ تونسية اسمها: هالة الوردي.

درست هالة الوردي في باريس، وكانت أطروحتها حول العالَم الخيالي للكاتب الفرنسي “ ريمون كينو” (Raymond Queneau)، بإشراف الأستاذ “ ميشيل جارتي “، وقدِ استضيفت هالة الوردي في كثير من القنوات الفضائية الفرنسية للحديث عن بعض ما كتبته عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، من ذلك كتاب “ الأيام الأخيرة لمحمد “، وبعد ذلك استضيفت في بودكاستات عربية علمانية.

القراءة المسرحية للروايات التاريخية:

هالة الوردي إذن خريجة تكوين “ أدب فرنسي “، وهذا يعني أنَّ تخصصَ هالة الوردي هو القراءة التخيُّليَّة الرمزية، وهي قراءة تتجاوز المعيارية العلميّة وصرامة قواعد “ التحليل العلمي للخطاب ” إلى “ سيولة القراءة الأدبية “، خاصة ما يتعلَّق بـ” أدب المسرح “، حيث الشخصيات والمشاهد، وإيحاءات القول والفعل، وغلب عليها “ التخيُّل ” حتى أصبح أداتها في القراءة لكلّ شيء تقريبا، وهو ما يفسِّر زعمَها محاولة إعادة كتابة الأحداث التاريخية بطريق “ السيناريو المسرحي “، حيث نهجت هالة الوردي طريقة “ الإضافة الدرامية ” إلى الأحداث، وصارت تتخيَّل “ مقاطع درامية تاريخية ” تزيح بها “ الرواية التاريخية “، بل تجاوزت ذلك إلى الحديث عمَّا كان يدور في خواطر شخصيات الحدث التاريخي في خيالها كأنها شخصيات في رواية مسرحية كتبتها هالة نفسها، فكانت بذلك كأنها مطَّلعة على سرائر نفوس الشخصيات، وبهذه الطريقة تصدَّت هالة الوردي لقراءة الأحداث التاريخية للسيرة النبوية، خاصَّة قبيل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، حيث حولتها هالة إلى فصول ومشاهد لمسرحيَّةٍ بنص درامي غارق في “ الخيال الأدبي “.

لم يكن عند هالة المؤهِّلات العلمية للقراءة النقدية والتحليلية للروايات التاريخية، فعوَّضت ذلك بما يبدو أنها تحسِنه، وهو إعادة كتابة نفس الأحداث عن طريق تحويلها إلى رواية مسرحية، فكانت النتيجة مثيرةً للاستنكار، وقد ظهر في لحن قولها في مواضع متفرِّقة من هذا الكتاب ما يدلّ على أنها كانت رهينة القراءة المسرحية، كانت هالة تقرأ وتكتب وهي محاطة بصور مشاهد المسرحيات [1] ، ومقاطع الروايات وأبيات الشعر… فكان عقلها مصبوغا بصبغة أدبية تخيلية، طغى وتسلَّط عليها وتمكَّن من عرش النظر المنهجي العلمي.

لقد كانت محكومةً بخيال القراءة المسرحية والروائية، فكادت ترى كل أفعال شخصيات السيرة النبوية تمثيلا على خشبة مسرح. كان على هالة أن تفهم أن ما كان يجب عليها فعله كان أقرب إلى تدقيق مختبري وأبعدَ عن متابعة لمسرحيةٍ درامية في مسرح باريس.

ومن شواهد هذا قولها: « باعتماده هذه التمثيلية » [2] ، وقولها: « بل إن عمرا هنأ عليًّا بشيء من السخرية إذ قال به: هنيئا لك يا علي أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن » [3] ، فمن أخبر هالة بهذا؟! هل هو علي رضي الله عنه أم هو “ الخيال الأدبي…الفرنسي “؟ يغلب على ظني أن تكون هالة الوردي متأثرةً بقصص المؤامرات والخيانات في تاريخ البلاط الفرنسي، فأثَّر ذلك على قراءتها لأحداث السيرة النبوية.

ومن ذلك قولها: « تنبع الروايات الأساسية المتعلقة بهذا الفصل من مصدرين مختلفين، أحدهما ابن عباس وثانيهما عائشة، أما الشخصيات الرئيسية في هذا المشهد فهم أزواج الرسول وعمه العباس. ..» [4] ، “ الفصل “، “ الشخصيات الرئيسية “، “ المشهد “، وكان ينقصها فقط أن تذكر “ الخشبة ” و” الستار “، وربما كان ينبغي أن تذكر “ الملقِّن ” الذي يختبئ في صندوق عند أقدام الممثلين!

كانت “ الحالة الدرامية ” قد بلغت من هالة الوردي مبلغًا كبيرًا وهي تعرض ما بلغه عقلها في فهم أحداث السيرة النبوية، فجعل حذرها ينعدم وهي تستعمل عبارات من تاريخ الأدب المسرحي، فتقول مثلا: « يبدو هذا الحوار كنذير معكوس؛ لأن عائشة هي التي أصبحت فيما بعد الأرملة المرحة، ما يذكرنا بمسرحية وليم شكسبير » [5] ، لاحظ قولها: “ مسرحية “، و” شكسبير “! ومثل هذا قولها: « يتخذ إصرار الرسول على إخراج صحابته من المدينة طابعا مسرحيا حيث… » [6] ، ومثله: « ولقد كان لفعلهما هذا أن اكتسى بُعدًا مسرحيًّا » [7] .

أسلوب هالة روائي صرف، تجد فيه خيالا كثيرا وتوليدا للمشاهد الدرامية التي لا وجود لها إلا في خيالها كما يفعل كُتّاب السيناريو والمخرجون السينيمائيون، وبلغ بها الأمر أن صارت ترى أحداث سقيفة بني ساعدة مثلا “ مسرحية “، ولم تستطع هالة التخلص من آثار جلوسها الطويل أمام العروض المسرحية في الكتب أو على الخشبة. فكأنه انطبع عندها في قزحيتها خلفية صورة خشبة مسرح، فكل ما تقع عينها عليه يبدو لها مسرحية!

أرادت هالة الوردي أن تقرأ مرويات السيرة النبوية قراءةً أدبيةً شعريةً محركُها المخيَّلة الجامحة، فوجدت أمامها كمًّا من الروايات التاريخية التي لا تناسب مؤهِّلاتها الأكاديمية والعقلية، فهي معتادة على النصوص الأدبية المسرحية والشعرية؛ ولذلك لم يكن عندها من مخرج إلا أن تدَّعي أن كل هذه الكتابات التاريخية مبنيةٌ على الخطاب الرمزي، لا الواقعي التاريخي الحقيقي، فقالت: « مما لا شك فيه أن كتابة سيرة الرسول قد خضعت إلى اعتبارات رمزية لا تاريخية » [8] ! وقالت: « كتبت السيرة اعتمادا على مقاييسَ وحيلٍ أدبية ارتكزت هي نفسها على الجناس والتناظر » [9] ، لكن معدتها الأدبية لم تستطع هضم هذه الروايات المعقَّدة ذات البنية القوية، فتسبب لها كل ذلك في إسهال من القراءات الخيالية السخيفة.

الصفحة التالية