نقد كتاب “آخر أيام محمد” لهالة الوردي الجزء الأول
مركز سلف للبحوث والدراسات • مذاهب فكرية في الميزان
حينما يقارن الباحث بين الروايات التي استعملتها هالة وبين طريقة عرضها في كتابها سيجد أنها “ تخيلت ” الأحداث تخيلَ المخرج الذي يريد تحويل النص إلى فيلم درامي، فيزيد من عنده ما يراه معينا على تخيل الأحداث وتعابير وجوه الشخصيات، بل تخيل ما يدور في خواطرها على “ خشبة الروايات التاريخية “، ومن أمثلة ذلك قولها: « شعر أبو بكر بحزن عميق يعتصر فؤاده لاعتقاده أن النبي قد بعث عليا في إثره ليراقبه، فعاد أدراجه إلى المدينة ليسأل محمدا عن السبب في هذا الإجراء والدمع ملء مقلتيه » [10] . ثم ذكرت استفسار أبي بكر النبيَّ صلى الله عليه وسلم وجوابه له وقالت: « فانصرف أبو بكر وهو كئيب » [11] ، فكيف عرفت هالة ما كان يشعر به أبو بكر؟! وكيف عرفت أنه انصرف كئيبا؟!
كمية “ الدراما ” في هذا المقطع السينيمائي كبيرة، فمن أين لها أنه اعتقد أن عليا أرسل جاسوسا؟! وكيف عرفت أنه جاء يسأل والدمع في عينيه؟! ومن أين لها أنه انصرف كئيبا؟! لن تجد جوابا في الروايات، فكل ذلك خيال في خيال، ستجدون الجواب في عبارة واحدة: “ الخيال الروائي ” لخريجة أدب فرنسي! فالذي يراجع مصادرها لا يجد مما ادعته ولو دمعة واحدة! بل إن الرواية كلها غير صحيحة الثبوت [12] ، وقد كان قصد هالة من محاولاتها السينيمائية هذه إيهام القارئ بأن العلاقة بين أبي بكر والنبي محمد صلى الله عليه وسلم كانت مبنية على الشك المتبادل والخيانة، ولكنها محاولة فاشلة، فإنها مهما حاولت لم تتعد “ تخيّل ” ذلك، وتستمر هالة في هذا “ السيناريو الدرامي ” فتقول: « لم تكن المرة الأولى التي يبدي فيها أبو القاسم شيئا من الريبة إزاء محيطه المقرب، فزوجته عائشة بنت أبي بكر حاضرة في غالب الأحيان لتبلغ والدها بنوايا والدها الرسول الخفية » [13] .
ليس لخيال هالة حدود تحده، فما ذكرته هنا محض خيال ناتج عن حقد، ولذلك لم تذكر لهذا مصدرا يثبت ما ادعته، فهي هنا تريد أن توهم القارئ بأن أمَّ المؤمنين -لا المنافقين- سيدتَنا وسيدةَ هالة كانت جاسوسة على زوجها، وهي تهمة سينيمائية، وأخشى أن يكون هذا نوعا من الأمراض النفسية التي تدفع المريض إلى إسقاط حالته على غيره.
ومن أمثلة حالة التخيل التي كانت تسيطر على هالة الوردي قولها: « فقَدَ أبو القاسم هدوئه [14] ورباطة جأشه ولعن… » [15] ، وقولها: « كان محيط النبي في الواقع يستعر بالاهتياج، والمطامع ماضية في تأجُّجها، والدسائس السياسية متفلتة من أعنتها » [16] ، وقولها: « كانت عائشة تحرك خيوطها من وراء الستار » [17] ، وقولها: « كانت الأجواء في حجرة الرسول المحتضر تعبق برائحة الدسائس » [18] ، « فأبو بكر وعمر خليفتا المستقبل نسجا بمساعدة بنتيهما عائشة وحفصة حول محمد شبكة خفية » [19] ، ومثل هذا قولها: « لكن في هذا الطور من الأحداث كان الرسول لا يزال مسيطرا بعض الشيء على الأمور » [20] . هكذا كانت تتحدث هالة عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الأحداث حوله، كأنها تحكي مشاهد مسلسل حريم السلطان، فهل استصحبت هالة مشاهد المسلسل وهي تكتب كتابها هذا؟!
ومن شواهد هذا قولها: « ودخل الغرفة المأتمية ليجد ابنته عائشة تجهش بالبكاء وتلطم وجهها » [21] ، وأحالت على طبقات ابن سعد، وليس فيه ما ادعته، فأين قرأت ذلك؟! يبدو أن خيال هالة جامح جموح الفرس البرية لا لجام لها تقاد به، ولا راكب يوجهها، فليراجع القارئ الموضع الذي أحالت عليه هالة، فليس هناك شيء مما زعمته، فهل كانت هالة تظن أنه لن يراجع أحد بعدها ما كتبته؟! هل تظن هالة ومن فوقها ومن معها أن أهل السنة مغفلون؟! يبدو أنهم هم المغفَّلون. ومحاولات القفز الاستشراقية فوق أسوارنا تفشل دائما؛ لأن أسوارنا عالية، أسوار مرابطية.
من شواهد العقلية التخيلية عند هالة في قراءتها للأحداث قولها عن عمر وهو ينكر على من زعموا وفاة النبي صلى الله عليه وسلم: « كان عمر يصرخ ويضرب الهواء بيديه ويخبط الأرض بقدميه، فاستعراض القوة هذا كان أسلوبه المعتمد للإقناع » [22] ، وليس هناك رواية بهذا، إنما هي اختلاق من هالة، اختلاق درامي!
ومن طريف ما وقفت عليه من ذلك قولها: « عائشة المستعدة دوما لتجسس الأخبار » [23] ، و« في الواقع إن وقع الخيار على عائشة فلبراعتها في مراقبته والتجسس عليه » [24] ، ولست أُخفِي أنني كلما رأيت هالة تتهم عائشة بشيء يخطر لي أنها تتحدث عن نفسها هي!