تعريف بكتاب “الحوثيون: أصولهم ونشأتهم وعقائدهم”
مركز سلف للبحوث والدراسات • الفرق والمذاهب
للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة
المقَـدّمَـــة:
لا جرم أن دراسةَ الفرق والمذاهب والاتجاهات الفكرية -سواء القديمة أو المعاصرة -من الأهمية بمكان؛ إذ لا يكفي في دراسة مذهبٍ أو فرقةٍ معاصرة الوقوفُ عند تاريخ ظهورها أو قياداتها، بل لا بد من تتبُّع أصولها الفكرية، والكشف عن مرتكزاتها العقدية، ورصد مراحل تطورها، ودراسة المؤثرات التي أسهمت في تشكيل خطابها وممارساتها، وغالبا ما تتَّصل بجذور الفرق القديمة إن لم تتَّصل بأصول دينية وثنية أو فلسفات بالية أو غيرها.
فالفرق والمذاهب المعاصرة وإن اكتسبت أهميتها من اتصالها المباشر بالواقع، وتداخلها مع جملة من العوامل الدينية والفكرية والاجتماعية والسياسية، إلا أنها تؤكد وتنادي بين الفينة والأخرى بأهمية دراسة الفرق القديمة، وتُلجم من يدّعي أن دراسة الفرق والمذاهب شغلُ من كان خالي الوفاض أو هي مجرد تكرار وإعادة إنتاج لموسوعات تاريخية تعاني من الغبار الذي لم تجد من ينفضه عنها.
فالحق أن الحاجة ماسّة إلى دراسة الفرق والملل والنحل القديمة منها والمعاصرة، والحاجة إلى تناولها بالوصف والتحليل والنقد والمقارنة أكبر وأشد؛ ذلك أنها تسعى إلى الانتقال بها من مجرد الظاهرة المشاهدة إلى موضوع علمي يمكن تحليل أصوله ومقولاته ومصادره ومسارات تطوره؛ ومن هنا أنادي بأهمية تجاوز دراسة الفرق والمذاهب مجردَ الوصف العام إلى البحث في الجذور والمقولات ثم الآثار والتحولات ؛ ذلك أن الفرقة الواحدة قد تحمل في طياتها ومراحل تشكلها الأولى سماتٍ مذهبيةً معينةً، ثم تتطور في خطابها وعلاقاتها ومواقفها العقدية؛ مما يجعل الحكم على حقيقتها الفكرية محتاجًا إلى تتبع تاريخي وكشف للأصول والجذور الفلسفية والمذهبية بدقة.
ولا شك أن من الخطأ تحديدَ الهوية الفكرية لمذهب أو فرقة بمجرد إلحاقها بمذهب تاريخي، أو بمجرد رصد شعاراتها المعاصرة، أو إسقاط مذهب قديم وحسب؛ بل تتطلب الجمع بين النظر في أصول الأفكار، وتتبع مسارات تشكلها، وتحليل خطابها، والكشف عن التحولات التي تطرأ عليها عند انتقالها من سياق مذهبي أو تاريخي إلى سياق جديد؛ إلى جانب دراسة نصوصها ومصادرها وشخصياتها ومسار تطورها.
وتزداد أهمية هذا المنهج في دراسة الفرق التي نشأت في بيئات مذهبية ذات تاريخ طويل ؛ إذ قد تتداخل في خطابها المعاصر عناصر متعددة، بعضها متصل بالواقع والبيئة التي ظهر فيها، وبعضها الآخر ناتج عن التأثر بجذور فلسفية أو أصول قديمة ناهيك عن التأثر بمقولات فلسفية وتيارات إقليمية أو حركات فكرية عابرة للحدود.
وهنا يبرز السؤال عن طبيعة العلاقة بين الأصل المذهبي للفرقة وبين صورتها الفكرية والعقدية في الواقع المعاصر ، فهل هذه الصورة المعاصرة استمرار لذلك الأصل، أم إعادة صياغة له، أم مركَّبٌ جديد بين عناصر متعددة؟
وهو ما يحصل معنا حين نتناول الفرقة الحوثية بالدراسة ضمن الفرق المعاصرة التي استدعت اهتمام الباحثين من زوايا عقدية وتاريخية وسياسية واجتماعية مختلفة؛ لما ارتبط بها من تحولات فكرية وعقدية، ولما شهدته من انتقالات في خطابها وعلاقاتها بالمكونات الفكرية والمذهبية الأخرى بالإضافة إلى اعتداءاتها المتكررة على أهل السنة في يوم الناس هذا.
وفي هذا السياق يحتلّ كتاب الدكتور عبد الرحمن الحسني الشدوي: «الحوثيون: أصولهم ونشأتهم وعقائدهم» مكانَ الصدارة؛ بوصفه دراسة أكاديمية تناولت هذه الفرقة من جوانب متعددة، وجمعت بين البحث في نشأتها، وتتبع أصولها العقدية، ودراسة تطورها، والكشف عن أبرز معتقداتها، ثم مناقشتها ونقدها.
وتسعى هذه الورقة إلى التعريف بهذا الكتاب وبمنهجه وبنيته ومضامينه، مع الوقوف على أبرز القضايا التي أثارها المؤلف، وتمييز ما ينقله من استنتاجات عما تدل عليه المصادر الأخرى؛ وصولًا إلى تقويم علمي للكتاب يُبرز قيمته البحثية والعلمية.
بيانات الكتاب:
العنوان: الحوثيون: أصولهم ونشأتهم وعقائدهم.
المؤلف: د. عبد الرحمن الحسني الشدوي.
الأصل الأكاديمي: الكتاب في أصله رسالة دكتوراه، قُدمت لقسم العقيدة بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة عام 1433هـ – 1434هـ.
الناشر: مركز العصر للدراسات الإستراتيجية والمستقبلية – مكة المكرمة، بالتعاون مع دار الدراسات العلمية للنشر والتوزيع – لندن.
سنة النشر: الطبعة الأولى عام 2015م.
الحجم: يقع الكتاب في مجلد واحد، ويبلغ عدد صفحاته 514 صفحة.
أهمية الكتاب:
يمكن القول بأن هذا الكتاب يكتسب أهمية دراسته من كونه من الدراسات الأكاديمية المبكّرة التي أفردت الفرقة الحوثية بدراسة موسَّعة تجمع بين الجانب التاريخي والعقدي والنقدي، وذلك عام 1433-1434هـ/ 2012- 2013م، وهو مما تُحمد عليه المملكة العربية السعودية ممثلةً في جامعاتها العريقة التي أضحت غنية ولَّادة لمثل هذه المبادرات.
وإذا أردنا تسليط عدسة البحث على الأهمية فتنبع أهمية الكتاب من عدة اعتبارات:
أولها: موضوعه المعاصر ؛ إذ تناول فرقة الحوثيين التي ازدادت أهمية دراستها بعد الأحداث الأخيرة، وبات من الضروري دراسة الخلفية الفكرية التي تقف وراءها وأثرها في الشخصية اليمنية والواقع الإقليمي.
وثانيها: جمعه بين أكثر من مجال بحثي ؛ فالكتاب لا يقف عند التاريخ القديم للفرقة، وإنما يجمع بين دراسة النشأة، والتحليل العقدي، ودراسة الشخصيات، ورصد وسائل الانتشار.
وثالثها: صدوره في رسالة علمية لنيل درجة الدكتوراه ؛ مما يمنحه قيمة من حيث الأصل الأكاديمي للبحث، وإن كان ذلك لا يعني بالضرورة صحة جميع نتائجه، إذ تبقى النتائج العلمية خاضعة للأدلة والمناهج التي بنيت عليها.
ورابعها: محاولته تفسير العلاقة بين الحوثية والزيدية والجارودية والإمامية الاثني عشرية ، وهي من أكثر القضايا إثارة للبحث في الدراسات المتعلقة بالفرقة؛ فالكتاب لم يقتصر على ما سبق، بل تناول مقولاتها العقدية وصورها في الواقع المعاصر، كما عُني بأبرز الشخصيات المؤثرة فيها، ووسائل انتشارها، ثم ختم ذلك ببيان وسائل التعامل مع ما يراه المؤلف من إشكالات عقدية وفكرية.
تمهيد: