شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تعريف بكتاب “الحوثيون: أصولهم ونشأتهم وعقائدهم”

مركز سلف للبحوث والدراسات • الفرق والمذاهب

من المؤكد أن الحوثيين لا يمثّلون اليمن، إلا أن الولوج إلى أعماق فرقة الحوثيين لتفكيكها وفهم كُنهها يقتضي منا أولًا أن نخلع نعالنا على أعتاب اليمن تاريخا وجغرافية وفكرا وأعراقًا وعادات.

فاليمن نسجت خيوطَه تضاريسُ جبلية قاسية، وشكلت وعاءً لحفظ البنية القبلية بشكلها الفاعل والمؤثر على مر العصور؛ والواقع أن هذا التمازج بين عراقة التاريخ ووعورة الجغرافيا وسطوة القبيلة جعل من اليمن (أرض المفارقات) إن صح التعبير؛ فهو مهد العروبة الأول ومصدر هجراتها، وهو في الوقت ذاته قبلة المذاهب والأفكار والملل المتضاربة، وهو أيضا ساحة صراع دائم ومحط الأنظار من كل اتجاه.

لقد كان اليمن بموقعه الجغرافي -كبوابة للبحر الأحمر ومحطة على طريق التجارة العالمية- سريعًا في استقبال المذاهب والأفكار الوافدة والملل والنحل المتضاربة ، ولا أظن أني أجانب الصواب إن قلت بأنها كذلك كانت أسرع في (يمنَنَتِها) ، أي: صبغها بطابعها الخاص ودمجها في نسيجها الاجتماعي والقبلي المتشابك.

وفي خضم هذا الواقع المضطرب يمكن القول بأنه لم تكن الزيدية التي وصلت إلى صعدة عام 284هـ مع الإمام يحيى بن الحسين الرسي -نسبة إلى الرس من القصيم- (الهادي إلى الحق) مجرد اتجاه فكري أو عقيدة دينية مجردة أو رأي فقهي وحسب؛ بل الواقع أنه مشروع متكامل استغلّ وجود ثغرة فولج ليسدَّها.

ويعود ذلك إلى أن الهادي قدَّم (نظرية حكم) نجحت ببراعة في الاندماج مع العقلية اليمنية، فنظريته في (الإمامة) الزيدية التي اشترطت في الإمام أن يكون فاطميًّا عالمًا (وأن يخرج بالسيف) لم تكن مجردَ شرط ديني، بل كانت حلًّا عمليًّا لفضّ النزاعات القبلية وتوحيد الصفوف تحت راية الإمام العادل.

وعلى هذا تأسَّست الدولة الزيدية في اليمن بالتزاوج بين السلطة الدينية والسلطة الدنيوية، ونجحت في البقاء لقرون.

بيد أن هذا الثوب الزيدي الذي ارتدته اليمن لم يكن أبدًا قطعة واحدة صماء ولا نسيجا واحدا وإن كان يبدو متماسكا، بل كان يحمل في طياته -منذ اللحظة الأولى- انقسامًا فكريًّا داخليًّا عميقًا، (ومادة انفجارية وانشطارية تبعثرها إن صح التعبير ).

نعم، وإنْ تصدّر المشهد تيار الزيدية إلا أنه لم يكن التيار الوحيد؛ ومن المعلوم أنه التيار الذي مثله الهادي في بداياته، والذي تأثر بمدارس الكوفة وبغداد، فكان قريبًا في فقهه من المذاهب السنية نوع قرب، وفي أصوله العقدية من المعتزلة، وهو الأهم؛ حيث لم يكفر الصحابة الكرام كأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وأجاز إمامة المفضول.

لكن إلى جانب هذا التيار الغالب ظل هناك تيار آخر كامن، كالجمر تحت الرماد، هو تيار الجارودية ، وهي فرقة زيدية غالية، تُنسب إلى (الجارود)، تميل إلى الغلو في علي، وتكاد ترفض الاعتراف بإمامة الشيخين، وتقترب في عقائدها من أصول الرافضة الإمامية (كعقيدة التكفير والنص).

وظلَّ هذا التيار الجارودي الغالي يظهر ويختفي كأقلية فكرية داخل المنظومة الزيدية، يمثل القطب المتطرف فيها.

وظلت هذه الازدواجية قائمة لقرون، إلى أن جاءت ثورة 1962م التي لم تكن مجرد انقلاب سياسي، بل يمكن القول بأنها كانت زلزالًا ضرب بنية اليمن.

فبالفعل نجحت الثورة في إسقاط الإمامة كنظام حكم سياسي، لكنها في ذات الوقت أحدثت فراغًا لم تجد من يسدّه؛ فبينما اختفى الإمام الحاكم ظلت الزيدية حاضرة كأدبيات فكرية وتراث عقدي وكتب تملأ المكتبات وتعيش في وجدان لفيف من الناس.

ويمكنني القول بأنه من رحم هذا الفراغ والاضطراب المزدوج سياسيا وفكريا وفي ظل التجاذبات الإقليمية العاصفة وُلدت الأهمية القصوى لدراسة الحوثيين . فالحوثيون ليسوا مجرد فرقة تمرد قبلي أو سياسي، وليسوا في ذات الوقت امتدادًا طبيعيًّا للزيدية التي عرفها اليمن؛ وليسوا -فيما أحسب- من المذبذبين بين هؤلاء وهؤلاء؛ بل هم كما يكشف هذا البحث العلمي يمثلون (خديجا) ( [1] ) أو تحولًا خطيرًا وبعثًا جديدً ا لذلك التيار الغائر الآنف الذكر؛ أعني: الجارودية التي خرجت من قماقم التاريخ، ولكن بثوب جديد، بعد أن تم تلقيحها وتطعيمها بشكل كامل مَظهرًا أو مخبأً على الأقل بأصول وعقائد الشيعة الاثني عشرية الإمامية الوافدة من إيران، وتحديدا الفكر الخميني الذي ينتسب إلى الشيعة الإمامية حتى يكون القول دقيقا.

إذن يتبين من هذا أن دراسة هذه الفرقة ليست مجرد رصد لحدث سياسي عابر، بل قد لا أجانب الصواب إن قلت بأنه تفكيك ضروري لطفرة عقدية وسياسية ، تكشف كيف يمكن للتاريخ العقدي الكامن أن يُستدعى، وكيف يمكن للأيديولوجيات العابرة للحدود أن تعيد هندسة هوية مجتمع بأكمله.

ومن أجل هذا وذاك كان هذا الكتاب -الذي نحن بصدد تجلية مباحثه- محاولة علمية جادة لسبر أغوار جذوره، والكشف عن أصوله والحديث عن تاريخ نشأته وتحديد معالم عقائده وشرائعه.

موضوع الكتاب وإشكاليته:

يبدو أنه اتضح للقارئ الكريم أن الكتاب يتمحور حول دراسة فرقة الحوثية بدءًا بأصولها ومرورا بنشأتها وتحولاتها وانتهاءً بعقائدها، ولا يقف عند ذلك بل يضيف إلى دراسة النشأة تناول مقولاتها العقدية وتحليلها ومقارنتها ونقدها وكشف صورها في الواقع المعاصر، وأيضا رصد عوامل التحول، وحاول تفسير العلاقة بينها وبين الزيدية والجارودية والإمامية الاثني عشرية ، كما عُني بدراسة أبرز الشخصيات المؤثرة فيها، ووسائل انتشارها، وختم ذلك ببيان وسائل التعامل مع ما يراه المؤلف من إشكالات عقدية وفكرية، وقد صرح المؤلف بالهدف من كتابه فقال: “ضرورة إعداد دراسة تكشف حقيقة الحركة الحوثية، وتبحث في أصولها ونشأتها وعقائدها” ( [2] ) .

تنطلق إشكالية البحث من ملاحظة التغيرات الجذرية التي طرأت على الفكر الزيدي في اليمن، والتي تبلورت في الفرقة الحوثية، ويمكن صياغة مشكلة البحث بأنه: غموض الأصول الفكرية والعقدية للفرقة الحوثية، والحاجة إلى الكشف عن مدى صلتها بالزيدية والجارودية، وأهمية تحديد حجم التحول الذي طرأ على خطابها باتجاه الإمامية الاثني عشرية.

فما الأصول الفكرية التي يرجع إليها الفكر الحوثي؟ وما عوامل نشأتها؟ وما عقائدها؟

وما طبيعة الصلة بين الحوثية والجارودية والإمامية الاثني عشرية؟

الصفحة السابقة الصفحة التالية