الخروج من الزيدية – والقول بالتفهيم الإلهي للحوثي – وتبني الوسائل الإرهابية
مركز سلف للبحوث والدراسات • الفقه
من البديهي أنه لا وجود لدولة أو حضارة إلا بفقه واجتهاد ينظّم أمور المجتمع، وهذا من الظهور بمكان لا يمكن دفعه. ولذا نجد القاضي النعمان يؤلف «دعائم الإسلام» لحاجة الدولة العبيدية، وهي التي تقوم على منهج باطني يعسر على جماهير المسلمين فهم شيء منه، إلى كتاب قضائي ينظم المجتمع، لما صارت لهم دولة مستقرة في مصر. فإذا كانت دولة باطنية لم تستغنِ عن فقه ظاهر تُدار به، فغيرها أحوج إليه.
وقد غلت الزيدية في تعظيم الاجتهاد؛ فأجازوا للفاطمي المجتهد أن يخرج ثائرًا يدعو إلى نفسه إن رأى ظلمًا. وأما الفكر الحوثي فإنه يقوم على رفض الاجتهاد من أصله، إذ يقول حسين الحوثي في ملازمه (ص 1523): «الاجتهاد أنا شخصياً غير مقتنع إطلاقاً أن المسألة هكذا، – كما يقولون – مفتوحة، وكل واحد يتعلم يطلع مجتهد… أعتبرها باطل الباطل… ومخالفة لكتاب الله… أنا شخصياً لا أجتهد». وهذا مبني عنده على أن القائد لا يحتاج إلى الاجتهاد؛ لأن الله عز وجل يفهمه، فيقول (ص 187): «فهو يوحي إلى أنبيائه وهو يفهم أعلام دينه».
والرفض للاجتهاد متّسق مع موقفه من كتب أصول الفقه، ومنها كتب الزيدية أنفسهم، إذ يقول في (ص 181): «وجدنا في الأخير أنّا كنا نقطع أيامنا مع كتب وإذا هي ضلال كلها من أولها إلى آخرها، ككتب أصول الفقه بقواعده، وإذا هي وراء كل ضلال نحن عليه، وراء قعود الزيدية».
فالحوثي أخذ من الزيدية الخروجَ على الحاكم، وألغى شرط الاجتهاد، ولكنه لم يُبقِ مكان الاجتهاد فراغًا، بل ملأه بأقواله، فجعلها التنظيم التشريعي الذي يجب على الأتباع العمل به، لا رأيًا يُناقَش أو يُرَدّ. ولازم ذلك إيجادُ جماهير لا ترى الحجية إلا في أقوال القائد الحوثي؛ فيتمكن – بطاعتها المطلقة له – من توجيهها حيث يشاء.
ولكي يؤسس الحوثي لقوله تأسيساً تتلقاه الجماهير الزيدية بالقبول، استدعى الإمام زيد بن علي. فبعد أن ذمّ «الآراء المتعددة»، ودعا إلى «جيل واحد، ثقافة واحدة، رؤية واحدة»، قال في (ص 1524): «هذا هو من أصول إمامنا زيد بن علي… الإمام زيد كان يقول هو: البصيرة، البصيرة. أهل البيت من يعطون أتباعهم بصيرة، من يعطوهم قناعة، من يعطوهم معرفة، من يعطوهم فهماً». فالعلم عنده لا يُنتج باجتهاد مستقل تتعدد به الآراء، بل يُتلقى من مصدر واحد هو أهل البيت، وقولهم نور وبصيرة يجب على المتلقي قبوله. والأتباع “علماء” بما يتلقونه منهم، لا مجتهدون فيما يستنبطونه.
وهذا لا يعني أن كل من انتسب إلى البطنين صار من أهل البيت الذين لهم هذه المنزلة، إذ يقول في (ص 1407): «عندما نقول: قرناء القرآن لا يعني فقط أن يكون أي واحد من أهل البيت؛ لأنه وإن كانوا من أهل البيت قد يكون الكثير منهم ليسوا قرناء قرآن». فالاثنا عشرية يحصرون أهل البيت الواجبة طاعتهم في اثني عشر إماماً، أما حسين الحوثي فيحصرهم في الفاهمين لكتاب الله عز وجل؛ فلا يكون الشخص من أهل البيت قائدًا هاديًا إلا إن فهم القرآن.
الإمامة الإلهية في الفكر الحوثي:
وإذا صارت أقوال القائد هي الحجة، فإن مقامه لا بد أن يرتفع فوق مقام الحاكم الذي يدير شؤون الناس؛ ولهذا يجعل حسين الحوثي الإمامة مسألة حياة أو موت للأمة، فيقول في ملازمه (ص 1238): «ولاية أمر الأمة، قيادة الأمة قضية هامة جداً جداً، إذا لم تكن على هذا النحو القرآني تموت الأمة». ويصرّح بأن تصوره هذا خروج على ما قررته كتب الزيدية، فيقول في (ص 907): «هذا فيه رد كامل فيما يتعلق بمفهوم ولاية الأمر الذي قُدّم حتى عندنا في كتبنا في كتب الزيدية… في الثمانمائة سنة المتأخرة… جعلوا ولاية الأمر عبارة عن ماذا؟ عن رئاسة عامة». ثم يرفع مقام الإمام في الصفحة نفسها إلى أن يجعله كالكعبة: «دوره قطب بالنسبة للبشر، قارن بينه وبين الكعبة، أعني: في الدور العام، في الدور الهام، في سعة الدور، في سعة دوره».
وقد يُفهم من تقييده بـ«الثمانمائة سنة المتأخرة» أنه لا يخرج عن الزيدية، وإنما يعود إلى زيدية أقدم منها، هي الجارودية. والجواب أن هذا غير دقيق؛ فقد نسب النوبختي في «فرق الشيعة» (ص 48) إلى بعض أصحاب أبي الجارود قولهم في أهل البيت: «وليس يحتاج أحد منهم أن يتعلم من أحد منهم ولا من غيرهم. العلم ينبت في صدورهم كما ينبت الزرع المطر». وهذا قريب من التفهيم الإلهي عند الحوثي. لكن الجارودية بقيت مع ذلك على الأصل الزيدي في الإمامة؛ فقد ذكر الأشعري في «مقالات الإسلاميين» (ص 67) أن الإمامة عندهم «في ولد الحسن وولد الحسين، فمن خرج منهم يدعو إلى سبيل ربه وكان عالمًا فاضلًا فهو الإمام».
أما الحوثي فلم يأخذ من الجارودية إلا القول بالعلم الموهوب، وخالف الزيدية جميعًا في مبدأ الخروج. وانتقل بالإمامة من الفكر الزيدي إلى أصل الفكر الإمامي، فجعل اختيار الإمام موكولًا إلى الله عز وجل؛ إذ يقول في (ص 1114) إن «الله يضع المنهج يختار هو المنهج ويختار هو القيادة». ويقول في ملازمه (ص 1193): «هو الذي اصطفى الرسول، هو الذي سيصطفي هو أولي أمر، لم تترك القضية لكل واحد يدعي». ويستدل بقصة داود وسليمان في الحرث، فيقرر في (ص 187) أن الله «يوحي إلى أنبيائه، وهو يفهّم أعلام دينه».
وهنا يتبين أن حسين الحوثي لا يعود بالزيدية إلى أيام زيد، بل يردّها إلى الأصل الذي افترقت عنه. فقد افترقت الشيعة بعد زيد فئتين: الزيدية، التي جعلت الإمامة لمن دعا وخرج على الحاكم الظالم من ولد الحسن والحسين، وشرطت فيه أن يكون مجتهدًا. والإمامية، التي جعلت الإمامة اصطفاءً ونصًّا من الله عز وجل. فأخذ الحوثي من الإمامية أصلها، وهو أن الله يختار الإمام.
وأقرب صورة معاصرة لهذا الأصل هي ولاية الفقيه؛ ولهذا يلتقي حسين الحوثي بما قرره الخميني في «الحكومة الإسلامية»، حين ذكر (ص 49) أن الحاكم الفقيه يملك «من أمر الإدارة والرعاية والسياسة للناس ما كان يملكه الرسول وأمير المؤمنين». فبينهما نقطة اتفاق ونقطتا افتراق: