الخروج من الزيدية – والقول بالتفهيم الإلهي للحوثي – وتبني الوسائل الإرهابية
مركز سلف للبحوث والدراسات • الفقه
يتفقان في أن أمر القائد ملزم لا يُرد. فحكم الولي الفقيه عند الخميني ليس فتوى يأخذ بها المقلد أو يدعها، بل أمر يلزم الجميع، وكذلك القائد عند الحوثي؛ فالله عنده يختار القيادة، ويُلزم الكل بأن يسيروا على منهجها.
ويفترقان في أن الخميني جعل الولي الفقيه نائبًا عن إمام غائب، أما الحوثي فأنكر الغيبة؛ إذ يقول في (ص 1296): «ليس مثلما يقول الاثنا عشرية، عندما يقولون: إمام ثاني عشر غائب، غائب وحجة على عباد الله وهو غائب، لا يفهمون هم أهمية، وقيمة، وغاية ولاية الأمر في الإسلام»؛ فلا تكون الإمامة عنده إلا لقائد حي حاضر.
وعلى هذا الأصل يقوم البناء القائم في اليمن اليوم. وقد يُعترض بأن عبد الملك الحوثي لا يمارس دورًا تنفيذيًا، غير أن قبوله بإسناد المهام التنفيذية إلى غيره مبني على أن جوهر ولاية الأمر هداية الناس لا إدارة شؤونهم. يقول حسين الحوثي في (ص 1290): «لاحظ هنا في القرآن الكريم، ألم يقدم موضوع ولاية الأمر قضية تتركز بشكل أساسي على موضوع الكتاب، على موضوع الهداية، والتربية، وبناء الأمة، ليست الأشياء التي يسمونها الآن سلطة تنفيذية إلا جوانب قد تكون ربما لا تمثل إلا عشرة في المائة، قد لا تمثل فعلاً باعتبارها تنفيذية، إلا عشرة في المائة من مهام ولاية الأمر، في الإسلام، وأن هذا الجانب هو الجانب الذي سيخفق فيه أي شخص ليس ممن اختاره الله كائنا من كان».
فالولي الفقيه عند الخميني يتولى ما كان للنبي من ولاية، أما القائد الحوثي فهو الإمام الهادي نفسه، وما الإدارة عنده إلا عُشر الأمر. وعلى هذا فما نراه في اليمن اليوم إنما هو نسخة مصغرة من المشروع الحوثي الكبير: القيادة العليا بيد «قائد الثورة» عبد الملك الحوثي، والإدارة التنفيذية بيد المجلس السياسي والحكومة. وهي التطبيق العملي للفكرة السياسية الحوثية، في نطاقٍ يُراد له أن يتسع حتى تكون للأمة كلها قيادة واحد.
قيادة بلا حدود:
وهذا الاتساع هو الإشكال كل الإشكال؛ فالإمامة بمفهومها الحوثي ليست خاصة باليمن كدولة ذات حدود سياسية، والحوثي لا يؤمن بالحدود السياسية بين الدول الإسلامية، بل يصرح في (ص 246) بأن «لنا شرعية أن نتحرك في مواجهة عدو الله أينما كان». وهذه الحركة التي لا تحدها حدود غايتها أمة واحدة تحت قيادة حوثية واحدة، يربطها بالبيت الحرام نفسه، فيقول في (ص 908): «هذه المقومات الأساسية الهامة للأمة التي عبرت عنها هاتان الآيتان: {قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً} (البقرة: من الآية124) {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ} (البقرة: من الآية125) عندما لم تعد القضية على هذا النحو في الأمة ما الذي حصل؟ ضاعت الأمة فلم يعد البيت، ولم يعد الحج بالشكل الذي يعطي الإيجابية، ولم يعد لدى الأمة قيادة واحدة على هذا النحو: القيادة التي هي ماذا؟ امتداد لقيادة إبراهيم، وقيادة محمد صلوات الله عليهما». فالإمامة عنده مقرونة بالبيت، ومن هنا يُفهم قوله في (ص 1712) إن البراءة في الحج «عطّلها آل سعود».
وهذه البراءة التي يريد إحياءها في الحج هي الصرخة نفسها، وهي الأداة الأولى التي استعارها من الخميني. ولم تكن الصرخة شعارًا عفويًا؛ فقد أُطلقت لأول مرة في 17 يناير 2002م في قاعة مدرسة الإمام الهادي بمرّان في صعدة، كما تنص حاشية الملزمة نفسها في (ص 579)، أي بعد أربعة أشهر من أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وفي ذروة الحرب على أفغانستان. وفي الدرس نفسه يحدد حسين الحوثي موقعه من هذه الخريطة، فيعلن في (ص 582) أنه سيصرخ ليستنكر «أن يُضرب حزب الله، أن تُضرب إيران»، ويطلب من أتباعه في (ص 580) «أن نكون سبّاقين، ليكون لنا فضل السبق».
ثم يكشف في (ص 1599) أن الشعار بديل مخطط له، لا هتاف عابر، فيقول: «ليس المطلوب بالشكل هذا، المطلوب أنك تعطي للناس قضية يتحركون فيها». فالشعار مرحلة في مخطط يهدف إلى التمدد الإقليمي؛ إذ استغل المشاعر الجماهيرية لتسويق فكرته، وحشد أتباعه عسكريًا، وغايته كما في (ص 2082) أن يصل إلى «كل بلاد يمكن أن يصل إليها صوتنا». فكانت الصرخة الخطوة الأولى في مشروع تعبئة إقليمي، لم يتغير منه بعد عقدين إلا الأداة: من الحنجرة إلى الصاروخ.
وبهذا يلتقي ما في الملازم بما يجري على الأرض؛ فالمشروع يتمدد على مراحل، كل مرحلة تمهد لما بعدها: بدأ بالصرخة شعارًا تعبويًا، ثم صارت حروب صعدة مرحلة التمكين المحلي تحت شعار المظلومية، ثم جاءت الحرب الإقليمية مرحلة التمدد خارج اليمن. وهي مراحل لتنظيم مسلح واحد، استعار أدوات ولاية الفقيه، ثم تجاوزها إلى قيادة لا ترى لنفسها حدودًا.
فإذا كانت هذه القيادة لا ترى لنفسها حدودًا، فقد يُقال إنها لا تقتضي أن تخضع لها البلدان الإسلامية، بل يكفي أن تكون موالية لها. غير أن الملازم نفسها تنقض هذا القول من وجهين:
أولهما: أن النسب وحده لا يشفع لمن لم يدخل في هذه الولاية. فالحوثي يُخرج من أهل البيت أنفسهم من لم يوالِ على منهجه، فيقول في (ص 631): «لن تهزم اليهود إلا تحت قيادة أهل البيت الذين يتجهون على اتجاه علي، ويوالون علياً، وإلا فهناك من أهل البيت كملك المغرب، وملك الأردن سلّموا القياد لإسرائيل، لكنهم من أولياء الطرف الآخر». فملك المغرب وملك الأردن هاشميان بالنسب، ومع ذلك لا يصلحان – عند الحوثي – للقيادة؛ لا لأنهما ليسا من أهل البيت، بل لأنهما لم يدخلا في الإمامة بمفهومها الحوثي.
وثانيهما: أن “الموالاة” في الملازم ليست تحالفًا بين أنداد، بل هي اتباع لولي أمر. فالحوثي يفسر تولي الإمام علي بقوله في (ص 2126): «فتولي الإمام علي بن أبي طالب هو تولي قدوة، تولي ولي أمر، تولي هادي للأمة من بعد نبيها». ويقرر في (ص 1195) أن «الدين قائم على أساس أمة واحدة وقيادة واحدة»، ثم يعيب أن يكون في الأمة «سبعة وخمسين زعيماً»، وهو عدد الدول الإسلامية في منظمة التعاون الإسلامي. فلا مكان عنده لحكام متعددين يوالون قيادته وهم مستقلون بأمرهم.