الأزهر والسلفية في عهد أحمد الطيب
مركز سلف للبحوث والدراسات • الفقه
ولا بد هنا من التمييز بين نقد أفكار محددة وبين إطلاق أوصاف عامة على تيار واسع. فالسلفية الحقة ليست تنظيمًا ، ولا يصح تحميلها مسؤولية كل جماعة رفعت شعار السلف أو السنة ثم خالفت منهج العلماء في فهم النصوص، أو تبنت التكفير والعنف. كما أن مشايخ السلفية المعروفين، ومنهم كبار علماء السعودية ومصطفى العدوي ومحمد حسان ومحمد إسماعيل وغيرهم، أعلنوا في مواضع متعددة رفض التكفير بغير حق، ورفض الخروج المسلح، والتحذير من الجماعات التي تستحل الدماء.
وهنا تبرز قضية مؤسسية تستحق البحث: هل كان الأزهر يتعامل مع هذه التصريحات بوصفها اجتهادات فردية، أم أنها كانت تنسجم مع اتجاه أوسع داخل المؤسسة؟ وهل كانت ردود المؤسسة، حين تصدر، كافية في بيان الموقف العلمي من هذه الاتهامات؟
لكن الإنصاف يقتضي إثبات واقعة مهمة: لم تترك جامعة الأزهر تصريحات كريمة كلها بلا اعتراض؛ فقد أصدرت في سبتمبر 2016 بيانًا رفضت فيه استغلال اسم المؤسسة أو الزج بها في آرائه السياسية والفقهية، ووصفت مواقفه بأنها آراء شخصية لا تعبّر عن الجامعة. كما نقلت وسائل إعلام عن الجامعة إحالة كريمة إلى التحقيق في نوفمبر 2016 على خلفية تصريحات صحفية؛ لكن ذلك لا يعني الانتصار للسلفية إذ قد صدرت من كريمة تصريحات كثيرة تتعلق بالغناء ،والتمثيل بجميع أشكاله ،وبحجاب المرأة ، وقراءة القرآن ودخول اليهود والنصارى الجنة ، وغير ذلك من الأمور التي نحسِب أن الأزهر لا يختلف مع السلفيين في أكثرها.
كذلك لم يستنكر الأزهر تلك التصريحات العدوانية التي صدرت عن وزير الأوقاف أو من علي جمعة أو من غيرهما من الشخصيات المؤثرة في الخطاب الديني الرسمي فإذا كان معيار المؤسسة هو رفض استغلال اسم الأزهر في مهاجمة التيارات الإسلامية، فإنها لم تُفَعِّل ذلك المعيار فتُصْدِر بيانات ضد التصريحات التي عممت الاتهام على السلفيين أو ربطتهم بالتكفير والعنف ؛ ولم تفرق بين السلفية الحقة والجماعات التكفيرية.
إن غياب موقف مؤسسي واضح من هذه التصريحات، مع سرعة التبرؤ من بعض تصريحات كريمة،يوحي بازدواجية في تطبيق معيار الانضباط الخطابي، إذ إن تصريحات الوزير فيما يتعلق بوحدة الأديان وأشياء لا يرضاها الأزهر لا تختلف عما صرح به كريمة.
ثالثًا: مؤتمر غروزني وإشكالية تعريف أهل السنة والجماعة
تُعدّ قضية مؤتمر غروزني في الشيشان في ٢١ / ٢٢ /١٤٣٧ للهجرة يوافقه ٢٠١٦ من أبرز الوقائع التي أثارت خلافًا واسعًا بشأن تعريف أهل السنة والجماعة وموقع السلفيين منهم.
ففي ذي القعدة سنة ١٤٣٧ شارك شيخ الأزهر في افتتاح مؤتمر بعنوان «من هم أهل السنة والجماعة؟»، وألقى كلمة تناولت مفهوم أهل السنة، وأكدت مكانة الأشعرية والماتريدية، وانتقدت الاتجاهات التكفيرية ؛ كما ذكرت أن مصطلح أهل السنة والجماعة يشمل الأشعرية والماتريدية وأهل التصوف المعتدل وأهل الحديث ؛وقد نشر الموقع الرسمي للأزهر الكلمة وما اشتملت عليه من تقرير لمفهوم أهل السنة.
وأثار البيان الختامي للمؤتمر جدلًا واسعًا بسبب تعريفه لأهل السنة والجماعة بالأشاعرة والماتريدية وأهل التصوف، دون التصريح بإدراج التيار السلفي وأهل الحديث في الصياغة التي اعتمدها البيان، الأمر الذي دفع عددًا من العلماء والباحثين إلى الاعتراض على التعريف؛ وسُطِّرَت مقالات ، كان من أوائلها وأكثرها انتشاراً مقال لكاتب هذه السطور ، كلها تستنكر هذا البيان ، لعدم ذكره رأس أهل السنة وسنامها وهم السلفيون .
ومن المهم هنا التفريق بين كلمة شيخ الأزهر وبين البيان الختامي للمؤتمر ؛ إذ قد يعني الشيخ بقوله ” أهل الحديث” السلفيين ، وقد لا يعنيهم ؛ فإن الشيخ البيهقي والشيخ النووي والشيخ ابن حجر رحمهم الله من الأشاعرة كما يقال ، وهم أيضا من أهل الحديث ؛وقد أعلن المركز الإعلامي للأزهر في٢٧/ ١١/ ١٤٣٧ للهجرة أن شيخ الأزهر نصّ في كلمته على أن أهل السنة والجماعة يشملون الأشاعرة والماتريدية وأهل الحديث، واستشهد بنقول عن السفاريني وغيره في هذا الباب.
فبقي الإشكال قائماً ؛ حتى أكد أحمد الطيب، في تصريحات نقلتها صحيفة «الشرق الأوسط» في صفر سنة ١٤٣٨ نوفمبر 2016، أن البيان الختامي لم يُعرض عليه قبل صدوره، وأن الأزهر غير مسؤول عنه، وصرّح بقوله: «يا أهل السلف أنتم من جملة أهل السنة والجماعة».
وهذا التوضيح لا يجوز إغفاله عند تقويم موقفه، لكن التساؤل يبقى عن مواقف أحمد الطيب من السلفية بعد مؤتمر غروزني وحتى السنوات اللاحقة ، فهي لا تتوافق مع تبرئه من البيان الختامي للمؤتمر ؛ فإذا كان قد قرر بعد المؤتمر أن السلفيين من أهل السنة، فالمفترض أن ينعكس ذلك في خطابه اللاحق، بحيث يميز بين السلفية الحقة والجماعات التكفيرية، ويتجنب إطلاق أوصاف الخوارج أو التكفير على عموم السلفيين. أما إذا استمر بعد المؤتمر في استعمال عبارات عامة تضع السلفية في مقابل أهل السنة أو تربطها بالتكفير والتطرف دون تفصيل، فإن ذلك يضعف أثر التبرؤ العملي، ويجعل التبرؤ من البيان الختامي أقرب إلى تصحيح جزئي أو مجاملة لطرفٍ ما ، لا إلى مراجعة شاملة للموقف من السلفية؛ وكذلك مواقف الأزهر من المناهج السلفية والرسائل العلمية التي تُظهر السلفية الحقة ،وكذلك مواقفه من إعلان الآراء السلفية داخل الأزهر ،وأعضاء هيئة التدريس السلفيين ؛ كل ذلك مناقض لتصحيحه بعد البيان .
رابعًا: زيارة الأضرحة والتوسل والاستغاثة: أين يقع الخلاف الحقيقي؟
شكّلت قضية الأضرحة والمقامات أحد أبرز محاور الخلاف بين الخطاب الأزهري والخطاب السلفي في عهد أحمد الطيب. وقد ظهر ذلك منذ تصريح شيخ الأزهر سنة ١٤٣٢ الذي انتقد فيه هجوم السلفيين على الأضرحة ومقامات الأولياء، وعَدّ ذلك مخالفًا لصحيح الإسلام.
وواضح أن الشيخ لا يعني بنقده للهجوم على الأضرحة وزائريها ، زيارة القبور للعضة والاعتبار والدعاء لأهلها عندها ، بل يعني ما يفعله المتصوفة من التوسل عند قبور من يسمونهم أولياء والله أعلم بهم .