موقف الحنابلةِ من الفكر الأشعريِّ من خلال “طبقات الحنابلة” و”ذيله”
مركز سلف للبحوث والدراسات • الفقه
للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة
مقدمة:
تحتوي كتبُ التراجم العامّة والخاصّة على مضمَرَاتٍ ودفائنَ من العلم، فهي مظنَّةٌ لمسائلَ من فنون من المعرفة مختلفة، تتجاوز ما يتعلَّق بالمترجم له، خاصَّة ما تعلَّق بطبقات فقهاء مذهب ما، والتي تعدُّ جزءًا من مصادر تاريخ المذهب، يُذكر فيها ظهوره وتطوُّره، وأعلامه ومؤلفاته، وأفكاره ومواقفه، ومن المواقف التي يمكن ملاحظةُ وجود نصوص متعلقة بها المواقف المتعلقة بالمذاهب الأخرى، في الأصول والفروع، المتكلّمين والفقهاء والفلاسفة وغيرهم، وقد اختار مركز سلف للبحوث والدراسات أن يستخرجَ من كتابين منها في طبقات الحنابلة موقف الحنابلة من الفكر الأشعري( [1] )، وهما: “ طبقات الحنابلة” لابن أبي يعلى الفراء (526هـ)، و” ذيل طبقات الحنابلة ” لابن رجب( [2] ) (795هـ) رحمهما الله.
مدخل:
كان الصحابةُ رضي الله عنهم أمنَةَ هذه الأمة في دينها وإيمانها بعد النبي صلى الله عليه وسلم، ثم جاء زمنٌ أظهرت فيه البدع قرونَها، وكان أول ذلك بدعة السبئيةِ المتشيِّعة، ثم الخوارج النهروانية، ثم القدرية الأُنُفِيَّة في أواخر عهد الصحابة رضي الله عنهم، ثم استقرَّ الأمر بعد ذلك إلى أنِ افترق الناس عشرةَ أصناف كما يقول أبو الحسن الأشعري، فيهم من ذكرتُ، والمعتزلة والكُلَّابية أصحاب عبد الله بن كلاب القطان، والذي عاصر الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله، فقد توفي الإمام أحمد عام 241هـ، ويقدِّرون وفاة ابن كُلاب بعام 240هـ.
حاولَتْ هُدى بنت ناصر عرضَ اختياراتِ ابن كُلاب في كتابها “ آراء الكلابية العقدية وأثرها في الأشعرية “، ومما اشتهر عنه ابتداعه القولُ بالكلام النفسي، ولازمه القول بأن اللفظَ -أي: العبارة والصيغة- بالقرآن مخلوقة، وهو ما كان يشتدّ الإمام أحمد في إنكاره، ثم ورث مذهبَ ابن كُلاب أبو الحسن الأشعري بعد تركه للاعتزال، ولن يطول أمره على ذلك، فسيرجع الأشعريُّ عن “ الطريقة الكلابية ” إلى مذهب أهل الحديث و” طريقة أحمد بن حنبل “، فيأخذ عن أئمة الحديث والحنبلية، وسيصرِّح بذلك في “مقالات الإسلاميين” و”الإبانة”، وربما في غيرهما مما لم يصِلنا من كتبه، ثم بدأ الانحرافُ عن طريقته مع الباقلاني، ثم الجويني، حيث تأثر المذهب المنحول بالاختيارات الاعتزالية، ثم بالمقالات الفلسفية القديمة، وبالتصوف المنحرف، والمطالع لـ”مقالات الإسلاميين” للأشعري يجد أن كثيرا من الاختيارات داخلَ المدرسة الاعتزالية صارت من “ صلب المعتقد ” الكلامي عند متأخري المنتسبين إليه، ومع الغزالي سيختلط ذلك بالتصوف، ثم يجهز عليه الفخر الرازي بتحويله إلى مذهب “ فلسفي متصوِّف “.
كانت الأشاعرةُ في أولى مراحلها في نوع من الموافقة مع الحنابلة، فقد نسب الأشعريُّ نفسَه إلى أحمد، ونقل عن الباقلاني أنه كان ينسب نفسَه إلى الحنبلية( [3] )، وكان ابن تيمية -الذي كان حريصًا مع نقده الفكريّ على وأد كل فتنة يشمّ دخان أولى شرارات نارها- يقرّر هذا للحنابلة أنفسهم في زمانه، بل قال أبو إسحاق الشيرازي صاحب “اللمع” و”التبصرة”: « إنما نفقَت الأشعريةُ عند الناس بانتسابهم إلى الحنابلة، وهذا ظاهر عليه وعلى أئمّة أصحابه في كتبهم ومصنفاتهم قبل وقوع الفتنة القشيرية ببغداد» ( [4] ) ، لكن وقع تنافرٌ بعد ذلك في فتن متكررة، من أشدها أثرًا فتنة ابن القشيري، قال ابن عساكر: « ولم تزل الحنابلة ببغداد في قديم الدهر على ممرِّ الأوقات تعتضد بالأشعرية على أصحاب البدع »( [5] )، وقد استمرَّ ذلك إلى زمن شيخ الإسلام ابن تيمية، ومع ذلك لم يسلم الطرفان من تنافر وتدافع، خاصَّةً بعد وصول الفكر الأشعريّ إلى مراحله الفلسفية المتصوِّفة، فكلما ابتعد هذا الفكر عن الأصول المؤسسة لأبي الحسن أكثرَ كان التنافرُ بين المنتسبين إليه وبين الحنابلة أظهرَ، وقد عاش الحنابلة والأشاعرة بعد ذلك في قرب في الأزهر، ونشرت جوزاء بنت مرزوق العتيبيّ عن حنابلة الأزهر مقالا في “ مجلة الفرائد في البحوث الإسلامية والعربية “( [6] ) التي تصدرها كلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنين بالقاهرة، بعنوان: “ الشيخ أحمد بسيوني الحنبلي الأزهري رحمه الله والحنابلة في الأزهر الشريف “.
وكان اختيار هذا الموضوع لأسباب ثلاثة:
الأول : أن ما سيستخرج من الكتابين هو وجهة نظر الحنابلة، في مقابل وجهة نظر الأشاعرة الذين تصدَّرهم ابن السبكي في “طبقات الشافعية الكبرى”.
الثاني : أن المادة الخامّ في الكتابين متوفرة وفرةً كافيةً تحكي نشأة الموقف الحنبلي وتطوّره من الاختيارات الفكرية الأخرى مثل علم الكلام والتصوف.
الثالث : أن الحنابلة كانوا يمثِّلون في المجال الزمني من أحمد بن حنبل إلى ابن رجب جزءًا كبيرا من أهل الحديث، إذ كانت البقية منهم في المذاهب الأخرى الحنفية والمالكية والشافعية لكن بقلَّة للأسف.
أحمد وأحاديث الصفات:
لمعرفة أسبابِ المواقف الحنبلية من الفكر الأشعري وعلَلِها -خاصّة ما تعلق منها بأحاديث الصفات والقرآن- يجب مراجعةُ أصول موقف إمام المذهب نفسه، فهو الأصل والأساس، وإليه المرجع، والبدء ببيان موقفه من أحاديث الصفات، وقد سئل أحمد عنها، والتي يردّها المعتزلة وغيرهم مما ورد في العرش ورؤية الله تعالى والإسراء والمعراج، فقال: « قد تلقَّتها الأمة بالقبول، وتُمَرّ الأخبار كما جاءت »( [7] )، فعليها “ الإجماع “، وتمَرّ بدون تكييف ولا تحريف لمعانيها ، وهذا راجع إلى الأصول التي ارتضاها الإمام أحمد لنفسه، متبعا في ذلك مع الكتاب والسنة السلفَ والأئمةَ من أهل الحديث، وقد قال: « أصول السنة عندنا: التمسُّك بما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم »( [8] )، وهو الأصل الجامع المميِّز العاصم، فكلٌّ يدَّعي اتباعَ الكتاب والسنة، لكن الصحابة هم الميزان في هذا، والبرهان على صحة الدعوى، ولذلك جعل الإمام أحمد أصله التمسّكَ بهديهم وطريقتهم وعقيدتهم، أو قل: هذه هي السلفية .
أحمد والقول بخلق القرآن: