موقف الحنابلةِ من الفكر الأشعريِّ من خلال “طبقات الحنابلة” و”ذيله”
مركز سلف للبحوث والدراسات • الفقه
وأما موقفه من صفة الكلام والقرآن، فإنه حينما أظهر مخالفته للمعتزلة( [9] )، وأصر على أن القرآنَ كلام الله خير مخلوق، لم يكن يقصِد معناه دون لفظه وعبارته، بل كانت عقيدته هذه في القرآن معنى ولفظًا، فالقرآن عنده هو المكتوب في المصاحف، المحفوظ في الصدور، المتلوُّ على الألسنة، أي: عبارته ولفظه، المبتدأ والخبر، والفعل والفاعل، فإن شئت قلت: هو ما يسمَّى عند النحاة كلامًا، ويخطئ من يظنُّ أنه يقصد المعنى دون اللفظ، وقد ثبت عن أحمد إنكارٌ شديد على من يزعم أن العبارة القرآنية مخلوقة( [10] )، وليس المقصود صوتَ الآدمي ولا مداد الكتب ولا الورق نفسه، بل المقصود الصيغة القرآنية المركبة من الكلمات، المركبة من الحروف التي هي أصوات، فالله تعالى عند الإمام أحمد تبعًا لأهل الحديث تكلَّم بالقرآن بصوت مسموع، سمعه جبريل، فبلَّغه النبيّ محمّدا صلى الله عليه وسلم، من أول آية أنزلت وهي ﴿اِقرأ﴾ [العلق: 1]، إلى سورة المائدة( [11] ).
ومما نُقل عنه في هذا: قوله فيمن يزعم أن اللفظ مخلوق: « هذا شرّ من قول الجهمية، ومن زعم هذا فقد زعم أن جبريلَ جاء بالمخلوق، وأن النبيَّ صلى الله عليه وسلم تكلَّم بمخلوق »( [12] )، وقال أيضا: « القرآن كلامُ الله، من أوله إلى آخره، ليس شيء منه مخلوق، ومن زعم أن شيئا من القرآن مخلوق فهو كافر »( [13] )، وصحَّ عنه وصفُ من قال عن لفظ القرآن مخلوق بأنه جهمي( [14] )، ويسميهم الإمام أحمد: “ اللفظية “، ومما احتجّ به عليهم قوله تعالى: ﴿ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ﴾ [التوبة: 6]، وقال: « ممن يسمع؟! »( [15] )، فالمسموع كلام الله تعالى، والكلام يُنسب إلى قائله لا ناقله، وبقول أبي بكر الصديق رضي الله عنه: « منعوني أن أبلِّغ كلام ربي »( [16] )، فنسب أبو بكر القرآن المتلوَّ المسموع إلى الله تعالى، وجعله من كلامه، وقيل للإمام أحمد: منه بدأ وإليه يعود؟ فقال مُقِرًّا : « منه بدأ عِلمُه، وإليه يعود حُكمُه »( [17] ).
كان من طريقة السلف وهديهم عدمُ الخوض في مفاوضة المخالفين في مسائل الاعتقاد، لكن بعد أن أظهر هؤلاء أمرهم وتظاهروا على نشره ونصرته قام الإمام أحمد يناقضهم باللسانين: لسان اللفظ ولسان القلم، وقد قال: « كنا نرى السكوتَ عن هذا قبل أن يخوضَ فيه هؤلاء، فلما أظهروه لم نجد بدًّا من مخالفتهم »( [18] )، أما لسان اللفظ فكثير منقول عنه بالرواية، وأما لسان القلم فكتابه: “ الرد على الجهمية والزنادقة ” وغيره.
موقف أحمد من علم الكلام:
كان موقف الإمام أحمد -مثل غيره من أئمّة الحديث والسنة- من علم الكلام وأهله شديدًا، فمن ذلك قوله: « من تعاطى الكلامَ لا يُفلح، ومن تعاطى الكلام لا يخلو من بدعة »( [19] )، وكان يرى أن للكلام أثرَ سوء على القلب، إذا تمكن من القلب لم يفارقه، فقال في ذلك: « من أحبَّ الكلام لم يخرج من قلبه »( [20] )، وحذَّر من بعض مقدَّمي الكلابية، وموقفه من الحارث المحاسبي مشهور، وهو الذي قال فيه: « حارث أصل البلية… حذِّروا عن حارث أشدَّ التحذير »( [21] )، وكان يقصد موافقته لابن كلاب في مسألة القرآن وغيرها، فإن الكلابية يرون أن القرآنَ اللفظَ هو عبارةٌ عن كلام الله، وليس كلامَ الله نفسه باعتبار قائله، وكانت علة شدته هذه على الجهمية ومن يوافقهم أن ذلك يبطل القرآن والحديث النبوي، فقال: « ما أحدٌ أضرّ على أهل الإسلام من الجهمية، ما يريدون إلا إبطال القرآنِ وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم »( [22] )، ولأن في ذلك إسقاطًا لمقامه وقدسيته، واستهانةً بمحتواه وعبارته، فكان أحمد يأمر بمجانبتهم وتجنُّب مجالستهم، وإن بدا منهم شيء من نصرة الحقِّ في بعض المسائل، وهذا أبلغ، فقال: « لا تجالس أصحاب الكلام وإن ذبُّوا عن السنة »( [23] )، وما ذلك إلا خشيةَ أن يتأثر الْمُجالس بشيء من كلامهم، أو يكون ذبُّه عنها حجابًا دون رؤية خطئه في بعض مقالاته، فيضرّ دينَه وعقيدته وإيمانه.
ومن لطيف ما يحسن التنبيه عليه من هذا أن ابن رجب انتقد حالة صدقة بن الحسين البغدادي الحنبلي المتكلِّم المتفلسِف بسبب خوضه في علم الكلام، فقال: « ما كانت مصيبة إلا من علم الكلام، ولقد صدق القائل: ما ارتدى أحد بالكلام فأفلح، وبسبب شُبَه المتكلمين والمتفلسفة كان يقع له أحيانا حيرةٌ وشكّ، يذكرها في أشعاره، ويقع له من الكلام والاعتراض ما يقع »( [24] )، فلم ينج الحنبليُّ من شَرَك شُبَه الكلام والفلسَفة، ولذلك اشتدَّ نكير الحنابلة في ذلك.
ومثله إسماعيل بن علي البغدادي الحنبلي، أخذ المنطقَ اليوناني والفلسفةَ عن طبيب نصرانيّ، وكان يتردَّد إلى بيعةِ النصارى، فوقع له بسبب ذلك انحراف، وكان من ذلك أنه ألَّف كتابا سماه: “ نواميس الأنبياء “، جعل فيه الأنبياء من الحكماء في زمرة هرمس وأرسطو! فنقل ابن رجب عن بعض من الثقات قوله فيه: « كان متسمِّحا في دينه متلاعبا… وكان دائما يقع في الحديث وفي رواته »( [25] ). وكذلك محمد بن علي بن طالب الخِرَقي الحنبلي، نقل ابن رجب عن ابن النجار من “ذيل تاريخ بغداد” « أنه كان يعتقد عقيدة الفلاسفة تقليدًا عن غير معرفة »( [26] ). وقريبا من هذا النمط ابن عقيل( [27] ) والطوفي الذي اشتدّ عليه ابن رجب فقال فيه: « وكان مع ذلك كله شيعيًّا منحرفًا في الاعتقاد عن السنة »( [28] ).
وقد تأثر طائفةٌ من الحنابلة ببعض مسائل المتكلمين بسبب مجالستهم، وقد عرف ذلك عن طائفة منهم، من ذلك أن ابن الدجاجي الواعظ الحنبليَّ جالس أبا جعفر السمناني( [29] )، وممن كان يحضر مجالسه في بيته أبو يعلى الفراء( [30] )، فظهر خلاف بين الحنابلة في ذلك لم يكن، وكانت بينهم في ذلك مفاوضات( [31] )، فلا أحد يأمن على نفسه، ومثل كلِّ هؤلاء مَن يسمَّون “ الحنابلة الجدد “، نسأل الله السلامة والعافية في الدين والدنيا.
شدة تمسُّك الحنابلة بالسنة في الأصول: