صيد الخاطر
ابن الجوزي • التزكية والرقائق • ج1 ص120
دار القلم - دمشق
عرضت المخلوفات على السمع والبصر، فأوصلا إلى القلب أخباره، من أنها تدل على الخالق، وتحمل على طاعة الصانع، وتحذر من بطشه عند مخالفته.
وإن عنى معنى السمع والبصر؛ فذلك يكون بذهولهما عن حقائق ما أدركا شغلا بالهوى، فيعاقب الإنسان بسلب معاني تلك الآلات، فيرى، وكأنه ما رأى، ويسمع، وكأنه ما سمع، والقلب ذاهل عما يتأذى به؛ فيبقى الإنسان خاطئا على نفسه، لا يدري ما يراد به، لا يؤثر عنده أنه يبلى، ولا تنفعه موعظة تجلى، ولا يدري أين هو، ولا ما المراد منه، ولا إلى أين يحمل؛ وإنما يلاحظ بالطبع مصالح عاجلته، ولا يتفكر في خسران آجلته، لا يعتبر برفيقه، ولا يتعظ بصديقه، ولا يتزود لطريقة، كما قال الشاعر:
الناس في غفلة والموت يوقظهم ... وما يفيقون حتى ينفد العمر
يشيعون أهاليهم بجمعهم ... وينظرون إلى ما فيه قد قبروا1
ويرجعون إلى أحلام غفلتهم ... كأنهم ما رأوا شيئا ولا نظروا
وهذه حالة أكثر الناس، فنعوذ بالله من سلب فوائد الآلات، فإنها أقبح الحالات.