صيد الخاطر
ابن الجوزي • التزكية والرقائق • ج1 ص149
دار القلم - دمشق
84-
فصل:
اعرفوا عظمة الناهي
429-
كثير من الناس يتسامحون في أمور يظنونها قريبة، وهي تقدح في الأصول، كاستعارة طلاب العلم جزءا لا يردونه، وقصد الدخول على من يأكل ليأكل1 معه، وتناول طعام لم يدع الإنسان إليه، والتسامح بعرض العدو التذاذا بذلك، واستصغارا لمثل هذا الذنب، وإطلاق البصر هوانا بتلك الخطيئة، وفتوى من لا يعلم لئلا يقال: هو جاهل، ونحو ذلك مما يظنه صغيرا وهو عظيم.
وأهون ما يصنع ذلك بصاحبه أن يحطه من مرتبة المتميزين بين الناس، ومن مقام رفعة القدر عند الحق. وربما قيل له بلسان الحق: يا من أؤتمن على أمر يسير فخان! ما بلية حظك فانو به2.
قال بعض السلف: تسامحت بلقمة، فتناولتها، فأنا اليوم من أربعين سنة إلى خلف3.
فالله الله! اسمعوا ممن قد جرب! كونوا على مراقبة! وانظروا في العواقب! واعرفوا عظمة الناهي! واحذروا من نفخة تحتقر، وشررة تستصغر، فربما أحرقت بلدا! وهذا الذي أشرت إليه، يسير يدل على كثير، وأنموذج يعرف باقي المحقرات من الذنوب.
والعلم والمراقبة يعرفانك ما أخللت بذكره، ويعلمانك إن تلمحت بعين البصيرة أثر شؤم فعله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.