شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

صيد الخاطر

ابن الجوزي • التزكية والرقائق • ج1 ص150

دار القلم - دمشق

85-

فصل:

تسأل الله حاجاتها وتنسى جناياتها

430-

رأيت من نفسي عجبا! تسأل الله عز وجل حاجاتها، وتنسى جناياتها!! فقلت: يا نفس السوء! أو مثلك ينطق؟! فإن نطق، فينبغي أن يكون السؤال العفو فحسب. فقالت: فممن أطلب مراداتي؟! قلت: ما أمنعك من طلب المراد، إنما أقول: حققي التوبة وانطقي، كما نقول في العاصي بسفره1 إذا اضطر إلى الميتة: لا يجوز له أن يأكل، فإن قيل لنا: أفيموت؟! قلنا: لا، بل يتوب ويأكل.

فالله الله من جراءة على طلب الأغراض، مع نسيان ما تقدم من الذنوب، التي توجب تنكيس الرأس، ولئن تشاغلت بإصلاح ما مضى، والندم عليه، جاءتك مراداتك. كما روي: "من شغله ذكري عن مسألتي، أعطيته أفضل ما أعطي السائلين"2.

431-

وقد كان بشر الحافي يبسط يديه للسؤال، ثم يسبلهما، ويقول: مثلي لا يسأل! ما أبقت الذنوب لي وجها. وهذا يختص ببشر لقوة معرفته، كان وقت السؤال كالمخاطب كفاحا، فاستحيا للزلل. فأما أهل الغفلة، فسؤالهم على بعد. فافهم ما ذكرته، وتشاغل بالتوبة من الزلل.

432-

ثم العجب من سؤالاتك! فإنك لا تكاد تسأل مهما من الدنيا، بل فضول العيش، ولا تسأل صلاح القلب والدين مثل ما تسأل صلاح الدنيا.

فاعتقل أمرك؛ فإنك من الانبساط والغفلة على شفا جرف، وليكن حزنك على زلاتك شاغلا لك عن مراداتك، فقد كان الحسن البصري شديد الخوف، فلما قيل له في ذلك؟ قال: وما يؤمنني أن يكون اطلع على بعض ذنوبي فقال: اذهب؛ لا غفرت لك؟!

الصفحة السابقة الصفحة التالية