شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

صيد الخاطر

ابن الجوزي • التزكية والرقائق • ج1 ص58

دار القلم - دمشق

26-

فصل

: محبة الخالق توجب قلقا وشوقا.

112-

تأملت قوله تعالى: {يحبهم ويحبونه} [المائدة: 54] ، فإذا النفس تأبى إثبات محبة للخالق توجب قلقا وشوقا، وقالت: محبته طاعته، فتدبرت ذلك؛ فإذا بها قد جهلت ذلك لغلبة الحس.

113-

وبيان هذا: أن محبة الحس لا تتعدى الصور الذاتية، ومحبة العلم والعمل ترى الصور المعنوية فتحبها؛ فإنا نرى خلقا يحبون أبا بكر رضي الله عنه، وخلقا يحبون علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقوما يتعصبون لأحمد بن حنبل، وقوما للأشعري1، فيقتتلون، ويبذلون النفوس في ذلك، وليسوا ممن رأى صور القوم، ولا صور القوم توجب المحبة، ولكن لما تصورت لهم المعاني، فدلتهم على كمال القوم في العلوم، وقع الحب لتلك الصور، التي شوهدت بأعين البصائر، فكيف بمن صنع2 تلك الصور المعنوية وبذلها؟!

114-

وكيف لا أحب من وهب لي ملذوذات حسي، وعرفني ملذوذات علمي؟! فإن التذاذي بالعلم، وإدارك العلوم أولى من جميع اللذات الحسية، فهو الذي علمني، وخلق لي إدراكا، وهداني إلى ما أدركته.

115-

ثم إنه يتجلى لي في كل لحظة في مخلوق جديد، أراه فيه بإتقان ذلك الصنع، وحسن ذلك المصنوع. فكل محبوباتي منه وعنه وبه، الحسية والمعنوية، وتسهيل سبل الإدراك به، والمدركات منه، وألذ من كل لذة عرفاني له، فلولا تعليمه، ما عرفته.

الصفحة السابقة الصفحة التالية