شرح العقيدة الطحاوية
ابن أبي العز الحنفي • العقيدة والتوحيد • ج1 ص430
تحقيق: جماعة من العلماء، تخريج: ناصر الدين الألباني — دار السلام للطباعة والنشر التوزيع والترجمة (عن مطبوعة المكتب الإسلامي)
وليس في حكمة أحكم الحاكمين ورحمة أرحم الراحمين أن يخلق خلقا يعذبهم أبد الآباد عذابا سرمدا لا نهاية له. وأما أنه يخلق خلقا ينعم عليهم ويحسن إليهم نعيما سرمدا، فمن مقتضى الحكمة. والإحسان مراد لذاته، والانتقام مراد بالعرض. قالوا: وما ورد من الخلود فيها، والتأبيد، وعدم الخروج، وأن عذابها مقيم، وأنه غرام, كله حق مسلم، لا نزاع فيه، وذلك يقتضي الخلود في دار العذاب ما دامت باقية، وإنما يخرج منها في حال بقائها أهل التوحيد. ففرق بين من يخرج من الحبس وهو حبس على حاله، وبين من يبطل حبسه بخراب الحبس وانتقاضه.
ومن أدلة القائلين ببقائها وعدم فنائها: قوله: {ولهم عذاب مقيم} [المائدة: 37]. {لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون} [الزخرف: 75]. {فلن نزيدكم إلا عذابا} [النبأ: 30]. {خالدين فيها أبدا} [البينة: 8]. {وما هم منها بمخرجين} [الحجر: 48] 1. {وما هم بخارجين من النار} [البقرة: 167]. {لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط} [الأعراف: 40]. {لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها} [فاطر: 36]. {إن عذابها كان غراما}، [الفرقان: 65] أي مقيما لازما. وقد دلت السنة المستفيضة أنه يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله: وأحاديث الشفاعة2 صريحة في خروج عصاة الموحدين من النار، وأن هذا حكم مختص بهم، فلو خرج الكفار منها لكانوا بمنزلتهم، ولم يختص الخروج بأهل الإيمان. وبقاء الجنة والنار ليس لذاتهما، بل بإبقاء الله لهما3.
وقوله: وخلق لهما أهلا, قال تعالى: {ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن
