شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

شرح العقيدة الطحاوية

ابن أبي العز الحنفي • العقيدة والتوحيد • ج1 ص497

تحقيق: جماعة من العلماء، تخريج: ناصر الدين الألباني — دار السلام للطباعة والنشر التوزيع والترجمة (عن مطبوعة المكتب الإسلامي)

رسوله، وهي أمره ونهيه وخبره، وحظ العبد منها العلم بها، والعمل1، والأمر بما أمر الله به، كما أن حظ العباد عموما وخصوصا العلم بالكونيات والتأثير فيها، أي بموجبها, فالأولى تدبيرية كونية، والثانية شرعية دينية, فكشف الأولى العلم بالحوادث الكونية، وكشف الثانية العلم بالمأمورات الشرعية, وقدرة الأولى التأثير في الكونيات، إما في نفسه كمشيه على الماء، وطيرانه في الهواء، وجلوسه في النار، وإما في غيره، بإصحاح وإهلاك، وإغناء وإفقار, وقدرة الثانية التأثير في الشرعيات، إما في نفسه بطاعة الله ورسوله والتمسك بكتاب الله وسنة رسوله باطنا وظاهرا، وإما في غيره بأن يأمر بطاعة الله ورسوله فيطاع في ذلك طاعة شرعية.

فإذا تقرر ذلك، فاعلم أن عدم الخوارق علما وقدرة لا تضر المسلم في دينه، فمن لم ينكشف له شيء من المغيبات، ولم يسخر له شيئا من الكونيات؛ لا ينقص ذلك في مرتبته عند الله، بل قد يكون عدم ذلك أنفع له، فإنه إن اقترن به الدين وإلا هلك صاحبه في الدنيا والآخرة، فإن الخارق قد يكون مع الدين، وقد يكون مع عدمه، أو فساده، أو نقصه. فالخوارق النافعة تابعة للدين، خادمة له، كما أن الرياسة النافعة هي التابعة للدين، وكذلك المال النافع، كما كان السلطان والمال [النافع] بيد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر, فمن جعلها هي المقصودة، وجعل الدين تابعا لها، ووسيلة إليها، لا لأجل الدين في الأصل, فهو شبيه بمن يأكل الدنيا بالدين، وليست حاله كحال من تدين خوف العذاب، أو رجاء الجنة، فإن ذلك ما هو مأمور به، وهو على سبيل نجاة، وشريعة صحيحة. والعجب أن كثيرا ممن يزعم أن همه قد ارتفع عن أن يكون خوفا من النار أو طلبا للجنة, يجعل همه بدينه أدنى خارق من خوارق الدنيا!!

ثم إن الدين إذا صح علما وعملا فلا بد أن يوجب خرق العادة، إذا احتاج إلى ذلك صاحبه. قال تعالى: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا، ويرزقه من حيث لا يحتسب} [الطلاق: 2, 3]. وقال تعالى: {إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا} [الأنفال: 29]. وقال تعالى: {ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد

الصفحة السابقة الصفحة التالية