سير أعلام النبلاء — ج 2
الذهبي • التاريخ والتراجم • ج2 ص54
تحقيق: مجموعة من المحققين بإشراف الشيخ شعيب الأرناؤوط — مؤسسة الرسالة
أقبلت إلى مكة، فجعلت لا أعرفه، وأكره أن أسأل عنه، وأشرب من ماء زمزم، وأكون في المسجد.
فمر علي بن أبي طالب، فقال: هذا رجل غريب؟
قلت: نعم.
قال: انطلق إلى المنزل.
فانطلقت معه، لا أسأله عن شيء، ولا يخبرني!
فلما أصبح الغد، جئت إلى المسجد لا أسأل عنه، وليس أحد يخبرني عنه بشيء.
فمر بي علي، فقال: أما آن للرجل أن يعود؟
قلت: لا.
قال: ما أمرك، وما أقدمك؟
قلت: إن كتمت علي أخبرتك.
قال: أفعل.
قلت: قد بلغنا أنه قد خرج نبي.
قال: أما قد رشدت! هذا وجهي إليه، فاتبعني وادخل حيث أدخل، فإني إن رأيت أحدا أخافه عليك، قمت إلى الحائط كأني أصلح نعلي! وامض أنت.
فمضى، ومضيت معه، فدخلنا على النبي -صلى الله عليه وسلم- فقلت:
يا رسول الله، اعرض علي الإسلام.
فعرض علي، فأسلمت مكاني، فقال لي: (يا أبا ذر، اكتم هذا الأمر، وارجع إلى قومك! فإذا بلغك ظهورنا، فأقبل) .
فقلت: والذي بعثك بالحق، لأصرخن بها بين أظهرهم.
فجاء إلى المسجد وقريش فيه، فقال:
يا معشر قريش، إني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله.
فقالوا: قوموا إلى هذا الصابئ.
فقاموا، فضربت لأموت!
فأدركني العباس، فأكب علي، وقال:
ويلكم! تقتلون رجلا من غفار، ومتجركم وممركم على غفار!
فأطلقوا عني، فلما أصبحت، رجعت، فقلت مثل ما قلت بالأمس.
فقالوا: قوموا إلى هذا الصابئ!
فصنع بي كذلك، وأدركني العباس، فأكب علي.
فهذا أول إسلام أبي ذر.
