سير أعلام النبلاء — ج 4
الذهبي • التاريخ والتراجم • ج4 ص24
تحقيق: مجموعة من المحققين بإشراف الشيخ شعيب الأرناؤوط — مؤسسة الرسالة
فقضي أن أهل الكوفة وفدوا على عمر، فوفد رجل ممن كان يسخر به.
فقال عمر: ما ها هنا (1) رجل من القرنيين؟
فقام ذلك الرجل، فقال عمر:
إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (إن رجلا يأتيكم من اليمن، يقال له: أويس، لا يدع باليمن غير أم له، قد كان به بياض، فدعا الله، فأذهبه عنه، إلا موضع الدرهم، فمن لقيه منكم، فمروه (2) ، فليستغفر لكم) .
قال عمر: فقدم علينا ها هنا، فقلت: ما أنت؟
قال: أنا أويس.
قلت: من تركت باليمن؟
قال: أما لي.
قلت: هل كان بك بياض، فدعوت الله، فأذهبه عنك؟
قال: نعم.
قلت: استغفر لي.
قال: يا أمير المؤمنين! يستغفر مثلي لمثلك؟!
قلت: أنت أخي، لا تفارقني.
فانملس مني، فأنبئت أنه قدم عليكم الكوفة.
قال: وجعل الرجل يحقره عما يقول فيه عمر، فجعل يقول: ماذا فينا، ولا نعرف هذا (3) .
قال عمر: بلى، إنه رجل كذا.
فجعل يضع (4) من أمره، فقال: ذاك رجل عندنا نسخر به.
فقال له: أويس؟
قال: هو هو، أدرك، ولا أراك تدرك.
فأقبل الرجل، حتى دخل عليه من قبل أن يأتي أهله.
فقال أويس: ما كانت هذه عادتك! فما بدا لك؟ أنشدك الله.
قال: لقيت عمر، فقال كذا، وقال كذا، فاستغفر لي.
قال: لا أستغفر لك حتى تجعل لي عليك أن لا تسخر بي، ولا تذكر ما سمعت من عمر إلى أحد.
قال: لك ذاك.
قال: فاستغفر له.
قال أسير: فما لبث أن فشا حديثه بالكوفة، فأتيته، فقلت: يا أخي، ألا أراك أنت العجب، وكنا لا نشعر.
قال: ما كان في هذا ما أتبلغ به إلى الناس، وما يجزى كل عبد إلا بعمله.
فلما فشا الحديث، هرب، فذهب (5) .
