السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية
شيخ الإسلام ابن تيمية • السياسة الشرعية • ج1 ص53
وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد - المملكة العربية السعودية
وقد روي: «أن هذه المرأة التي قطعت يدها تابت، وكانت تدخل بعد ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم فيقضي حاجتها» . فقد روي: «أن السارق إذا تاب سبقته يده إلى الجنة، وإن لم يتب سبقته يده إلى النار» . وروى مالك في الموطإ: أن جماعة أمسكوا لصا ليرفعوه إلى عثمان -رضي الله عنه- فتلقاهم الزبير فشفع فيه فقالوا: إذا رفع إلى عثمان فاشفع فيه عنده فقال: " إذا بلغت الحدود السلطان فلعن الله الشافع والمشفع ". يعني الذي يقبل الشفاعة. «وكان صفوان بن أمية نائما على رداء له في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء لص فسرقه، فأخذه فأتى به النبي صلى الله عليه وسلم، فأمر بقطع يده فقال: يا رسول الله: أعلى ردائي تقطع يده؟ أنا أهبه له. فقال: " فهلا قبل أن تأتيني به؟ ! " ثم قطع يده» . رواه أهل السنن، يعني صلى الله عليه وسلم أنك لو عفوت عنه قبل أن تأتيني به لكان، فأما بعد أن رفع إلي فلا. فلا يجوز تعطيل الحد، لا بعفو، ولا بشفاعة، ولا بهبة، ولا غير ذلك. ولهذا اتفق العلماء -فيما أعلم- على أن قاطع الطريق واللص ونحوهما إذا رفعوا إلى ولي الأمر ثم تابوا بعد ذلك، لم يسقط الحد عنهم؛ بل تجب إقامته وإن تابوا فإن كانوا صادقين في التوبة كان الحد كفارة لهم، وكان تمكينهم من ذلك من تمام التوبة -بمنزلة رد الحقوق إلى أهلها، والتمكين من استيفاء القصاص في حقوق الآدميين. وأصل هذا في قوله تعالى: {من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها وكان الله على كل شيء مقيتا} [النساء: 85] (سورة النساء: الآية 85) . فإن الشفاعة إعانة الطالب حتى يصير معه شفعا، بعد أن كان وترا، فإن أعانه على بر وتقوى، كانت
#
