شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

مِن دروس رمضان

الشيخ عبدالمنعم الشحات • التزكية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فشهر رمضان موسم مِن أهم مواسم الطاعة التي يأخذ منها المسلم زادًا لعامه كله، وقد شرع الله في هذا الشهر أعمالاً تخصه مِن واجبات لا تجب إلا فيه، أو مستحبات تتأكد فيه أكثر من غيره، فرمضان بحق فرصة للتزود من جميع أنواع الطاعات؛ ففيه الصيام الواجب، وهو شهر القرآن، وشهر الجود والكرم، وتكتسب صلاة قيام الليل فيه صفات أخرى، أبرزها: أنها تشرع فيها الجماعة، كما يشرع فيه الاعتكاف وقطع العلائق، وحتى الحج؛ فيشرع في رمضان عبادة من جنسه وهى العمرة، وتشرع بنهايته صدقة خاصة هي صدقة الفطر، وصلاة هي أجمع صلاة للمسلمين وهى صلاة العيد.

وهذا هو المعنى الصحيح لكون رمضان موسم لطاعة الله -عز وجل-، أي أنه موسم يزداد فيه ما يؤديه العبد من طاعات، إما لوجوبها أو لزيادة ثوابها؛ مما يحفز الهمم لفعلها مع بقاء أصل الطاعة هي "وظيفة العمر" التي لا تتخلف في رمضان ولا في غيره، مصداقًا لقوله -تعالى-: ( وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ) (الحجر:99) .

وهذا الموسم المشحون بالطاعات يستفيد العبد منه على محاور ثلاثة:

- الأول: أنه يغسل عن العبد ذنوبًا قد مضت: كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ لَمَّا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِر ) (رواه مسلم) ، وقال -عليه الصلاة والسلام-: ( مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ) (متفق عليه) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ) (متفق عليه) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ) (متفق عليه) .

- الثاني: يعطيه زيادة في إيمانه تمثل زادًا في باقي العام: كما قال الله -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) (البقرة:183) .

- الثالث: أن هذه العبادات تؤثـِّر في سلوك صاحبها فيخرج بسلوك أقوم: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( الصِّيَامُ جُنَّةٌ ) (متفق عليه) -( جُنَّةٌ ): أي سترة ومانع من الرفث والآثام، ومانع أيضًا من النار، ومنه المجن وهو الترس-، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ ) (رواه البخاري) .

وثمة محاور أخرى أكثر عمومية:

- منها: استحضار هذا العدد مِن التشريعات في فترة وجيزة تملأ نفس صاحبها معرفة بأسرار التشريع وحكمه؛ فيتعرف العبد على معنى أن المشقة تجلب التيسير، وأن مِن مقاصد البعثة تميز المسلمين ظاهرًا وباطنًا عن غيرهم، إلى غير ذلك مِن الدروس.

- ومنها: دروس عامة تُستفَاد مِن مجموع الشهر؛ كأهمية الوقت "لا سيما الأوقات الفاضلة".

- ومنها: كيفية توظيف رمضان في عودة الكثير ممن ابتعد قبل رمضان.

- ومنها: تذكر فضل الصحابة في نقل الشرع إلينا، وهو فضل عام يزداد وضوحًا ورسوخًا في هذا الشهر.

وسوف نتناول في خلال هذا الشهر أطرافًا مِن مجموع هذه الدروس، وكنتُ قد كتبتُ حول بعض هذه الدروس، لكني أردت إعادة نشرها تذكرة لنفسي وإخواني، على أن نتناول في العدد القادم دروسًا أخرى تتعلق ببعض المحاور التي أشرنا إليها.

والآن مع هذه الدروس الثلاثة:

1- جواهر الثلج.

2- أيها الزائر الرمضاني أنت صاحب بيت.

3- فضائل أبى هريرة الرمضانية.

1- جواهر الثلج

يحاول التجار دائمًا أن يشتروا بضائعهم بأفضل سعر ممكن، وأن يبيعوها بأعلى سعر ممكن؛ ليحصلوا على أعلى ربح ممكن، وبيْن الشراء والبيع يعيش التاجر في كبد ومشقة بيْن حسابات المكسب والخسارة، وكلما كان الشراء والبيع موسميًّا كلما ازداد الخطر، وعظم الخطب على التاجر.

وبين أيدينا مثل لتجارة ليست ككل التجارات، تجارة لا يحصل فيها التاجر على بضاعته بالشراء ولا حتى بالتصنيع، وإن كان فيه شبه منه؛ إن التاجر في مثلنا لديه آلة تعمل تلقائيًّا وتنتج له جواهر ثمينة، ولكنها في ذات الوقت جواهر مِن ثلج سريعة الذوبان، فإذا ذابت زالت قيمتها تمامًا.

وفي كلٍ يوجد عرضان للشراء:

- أولهما: تباع فيه تلك الجواهر الثلجية بجواهر ثابتة لا تذوب ولا تتغير، ولكن هذا البيع يحتاج مِن البائع شيئًا من الجهد والسعي حتى تتم الصفقة، وتسليم تلك الجواهر الثابتة لا يكون فوريًّا في معظم الأحيان "وإن كانت مضمونة بأوثق ضمان".

- وأما العرض الثاني: فتباع فيه هذه الجواهر بأخرى ثابتة براقة، لونها لون الذهب والياقوت، وريحها ريح المسك، ولكنها سريعة التغير، يذهب لونها المتلألئ ويحل محله لون أسود مرباد متسخ، ويذهب ريحها الطيب ويحل مكانه ريح منتنة، وهي فوق هذا سامة، كما أن لها أثرًا عجيبًا في إفساد الجواهر الحقيقية الثابتة، والبائع يعرف في كثير من الأحيان حال هذه الجواهر الخادعة.

تُرى... ما رأيك فيمن يبيع جواهره الثلجية بتلك الجواهر الخادعة السامة؟!

أو حتى في ذلك الذي يقف مكتوف الأيدي، وآلته تنتج جواهره، ثم يتركها تذوب بدلاً مِن أن يحولها إلي جواهر ثابتة؛ كسلاً أو زهدًا في تلك الجواهر الثابتة؛ لأن قبضها مؤجل؟!

وثمة أمر آخر: وهو أن هذا التاجر يعلم أن آلته سوف تتوقف في لحظة ما وفجأة... دون سابق إنذار!

أخي الحبيب...

إن هذا المثل وإن كان خياليًّا إلا أن الواقع أخطر بكثير مِن هذا الخيال، إن هذا المثل هو مثل الإنسان في هذه الحياة الدنيا، تتوالى أنفاسه، لا يملك أن يوقفها أو أن يؤجلها، وكل نفس منها جوهرة ثمينة سريعة الانقضاء؛ فإذا كانت في المباحات فلا أجر ولا وزر.

وإن كانت في الطاعات فسوف يُعطى بها غرسًا في الجنة، وبيوتًا في الجنة، وأنهارًا في الجنة، وكل ذلك مِن الذهب والفضة، والياقوت واللؤلؤ، فضلاً عما يعجَّل له مِن ذلك مِن طمأنينة القلب وسعة الصدر.

الصفحة التالية