شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

مِن دروس رمضان

الشيخ عبدالمنعم الشحات • التزكية

وإن كانت في المعصية؛ فهي سبب لدخول نار تلظى، يَلقى فيها من العذاب والسموم والنار والحميم، فضلاً عما يعجَّل له في الدنيا مِن ضيق الصدر واضطراب القلب.

وإذا تأملتَ في هذا المثل فاعلم أن كل جزئية مِن جزئياته قد دلت عليها نصوص الكتاب والسنة وآثار السلف -رضي الله عنهم-، قال الله -تعالى-: ( وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا ) (الفرقان:62) ، وقال الحسن -رحمه الله-: "ما مر يوم على ابن آدم إلا قال له: ابن آدم إني يوم جديد، وعلى ما تعمل فيَّ شهيد، وإذا ذهبتُ عنك لم أرجع إليك، فقدِّم ما شئتَ تجده بين يديك، وأخِّر ما شئتَ فلن أعود إليك أبدًا".

وقال بعضهم لمن قال له: "قف أكلمك... "، فأجابه بقوله: "أوقف الشمس!"؛ لعلمه أن عداد الأنفاس لا يمكن إيقافه، وقال بعضهم: "يا ابن آدم، إنما أنتَ أيام معدودة، فإذا ذهب يوم ذهب بعضك، ويوشك إذا ذهب البعض أن يذهب الكل".

وقال -صلى الله عليه وسلم- مبينًا قيمة اللحظة الواحدة من حياة الإنسان: ( مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ العَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ، غُرِسَتْ لَهُ نَخْلَةٌ فِي الجَنَّةِ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) ، وفي المقابل قال -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ لا يَرَى بِهَا بَأْسًا يَهْوِي بِهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا فِي النَّارِ ) (رواه البخاري ومسلم والترمذي واللفظ له) .

وقد عبَّر البعض عن شرف الوقت بقوله: "الوقت مِن ذهب"، فعلق بعض الدعاة على ذلك، وقال: "أن هذا عند أهل الدنيا الذين لا يرون فيها ما هو أغلى مِن الذهب، ولكنه عند مَن ينظر إلى أبعد من ذلك هو الحياة".

ولأن الوقت رغم نفاسته سريع الزوال؛ فقد شبهه بعضهم بالثلج!

وانظر إلى ذلك الرجل الذي يمشي في السوق كما نمشي، ويستلفت نظره ما يستلفت نظرنا، إلا أنه يستلفت بصيرته ما لا يستلفت بصيرتنا؛ فقد رأى بائع ثلج في السوق بعد العصر، وقد أشرف السوق على الانتهاء ولم يبع بعد بضاعته، فأخذ يصيح في الناس لكي يشتروا بضاعته قبل أن تفنى قائلاً: "يا أيها الناس، ارحموا مَن يذوب رأس ماله"، فتذكر صاحبنا رأس ماله الأهم في هذه الحياة الدنيا، وتجارته الأخطر "وهي تجارة الأنفاس"، وتذكر تلك السورة الجامعة التي لخصت ذلك كله، فقال -رحمه الله-: "تعلمتُ تفسير "سورة العصر" مِن بائع ثلج بنيسابور، وقف في السوق بعد العصر صائحًا: يا أيها الناس، ارحموا مَن يذوب رأس ماله".

سورة "العصر": تلك السورة التي أقسم الله فيها بالعصر الذي يعيشه الإنسان؛ لبيان شرفه وخطورته، ثم بيَّنت أن جنس بني الإنسان في خسارة -أي في تجارة الأوقات- ثم استثنت مَن جمعٍ خصالاً أربعة، هي: "الإيمان بالله - العمل الصالح - التواصي بالحق - والتواصي بالصبر".

كما بيَّن الله -تعالى- أن هؤلاء الخاسرين إنما انشغلوا بالعاجل رغم تفاهته وسرعة انقضائه؛ لكونهم لم يوطـِّنوا أنفسهم على انتظار الآجل رغم شرفه وبقائه، فقال -عز وجل-: ( بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا . وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ) (الأعلى:16-17) ، وبيَّن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن معظم البائعين يخسرون عن عمد؛ لكونهم لا يتحملون مشقة البيع الرابح حين قال: ( حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ، وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ ) (رواه مسلم) .

وإذا تأملتَ هذا المثل جيدًا علمتَ مقدار الغبن والخسارة التي يقع فيها المضيع وقته في المباحات، فضلاً عمن يضيعه في المعاصي، كما قال -صلى الله عليه وسلم-: ( نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ، وَالْفَرَاغُ ) (رواه البخاري) .

وإذا علمتَ هذا؛ فاعلم أن جواهر العمر الثلجية رغم أنها كلها جواهر إلا أن بعضها أشرف مِن بعض، وأن ما يقابلها من جواهر وقصور وجنان أخروية تتناسب مع شرفها وفضلها؛ ولذلك فحرى بالعاقل أن يهتم بكل جوهرة مِن جواهر حياته، أعني بكل نفس من أنفاسه، لا سيما في الأوقات الفاضلة التي تتضاعف فيها الحسنات وكذلك السيئات، ومنها العشر الأول من ذي الحجة كما قال -صلى الله عليه وسلم-: ( مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ الْعَشَرَةِ ) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: ( وَلا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ ) (رواه البخاري وأبو داود واللفظ له) .

فنسأل الله أن يعين جميع المسلمين فيها، وفي سائر أوقاتهم على طاعته، وأن يدخلهم جنته ودار كرامته!

2- أيها الزائر الرمضاني أنت صاحب بيت

المساجد بيوت الله في أرضه، وهي أيضًا بيت كل تقي، كما بيَّن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فهي بيت الله الذي أمر المؤمنين ببنائه لكي يستقبل الراغبين في الفوز الإلهي الذي يقذفه الله في قلوب المؤمنين؛ لا سيما الزائرين لهذه البيوت، كما قال -تعالى- بعد بيان جمال وروعة نوره في قلب عبده المؤمن: ( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ . رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ ) (النور:36-37) .

ومِن ثَمَّ صار المسجد بيت كل تقي، فمن كثرة ما يزور المسجد صار كأنه بيته أكثر مِن بيته الذي يؤويه هو وأسرته، وهو فضلاً عن ذلك يشعر بمسئوليته تجاه تعمير المسجد بالذكر والصلاة أكثر من غيره، وبالإضافة إلى أنه لابد لكل مسجد مِن قائمين على أمره يستنون بسنة أبويهم إذ قال الله لهما: ( وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ) (البقرة:125) .

الصفحة السابقة الصفحة التالية