رمضان شهر الجود والإحسان
محمود عبد الحفيظ البرتاوي • التزكية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: "كَانَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَحْسَنَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدَ النَّاسِ" (متفق عليه) .
وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ جِبْرِيلُ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ أَجْوَدُ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ" (متفق عليه) .
ويُلاحظ ها هنا:
- أن ابن عباس -رضي الله عنهما- شبَّه جودَ النبي -صلى الله عليه وسلم- بالريح المرسلة، بل جعله أجود وأكرم منها.
والتشبيه بالريح المرسلة يتضمن:
- مسارعة النبي -صلى الله عليه وسلم- في بذل العطاء والخير والجود، فهو كالريح في سرعتها.
- عموم الانتفاع بجوده -صلى الله عليه وسلم- وبذله، فهو كالريح المرسلة التي تعم بنفعها الكثير مِن الخلق والناس.
- قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-: " قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: وَجْهُ التَّشْبِيهِ بَيْنَ أَجْوَدِيَّتِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِالْخَيْرِ وَبَيْنَ أَجْوَدِيَّةِ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالرِّيحِ: رِيحُ الرَّحْمَةِ الَّتِي يُرْسِلُهَا اللَّهُ -تَعَالَى- لإِنْزَالِ الْغَيْثِ الْعَامِّ الَّذِي يَكُونُ سَبَبًا لإِصَابَةِ الأَرْضِ الْمَيْتَةِ وَغَيْرِ الْمَيْتَةِ، أَيْ فَيَعُمُّ خَيْرُهُ وَبِرُّهُ مَنْ هُوَ بِصِفَةِ الْفَقْرِ وَالْحَاجَةِ، وَمَنْ هُوَ بِصِفَةِ الْغِنَى وَالْكِفَايَةِ أَكْثَرَ مِمَّا يَعُمُّ الْغَيْثُ النَّاشِئَةُ عَنِ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -!" (فتح الباري) .
- ولم يقصِر ابن عباس -رضي الله عنهما- جودَ النبي -صلى الله عليه وسلم- على المال أو الصدقات ونحوها، بل قال: " أَجْوَدُ بِالخَيْرِ "؛ مما يفيد الاستغراق والعموم، وأنه -صلى الله عليه وسلم- كان أجود ما يكون الإنسان بكل ألوان الخير وصوره مِن كل أحد، فكان جواد بنفسه -صلى الله عليه وسلم- وبماله، وبوقته وراحته، وبالدعوة إلى الله، وتعليم الناس العلم النافع، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقضاء الحوائج والسعي في مصالح الخلق، وغير ذلك مما يحبه الله ويرضاه.
- عَنْ عَبَّادِ بْنِ زَاهِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ يَخْطُبُ، فَقَالَ: "إِنَّا وَاللهِ قَدْ صَحِبْنَا رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ؛ فكَانَ يَعُودُ مَرْضَانَا، وَيَتْبَعُ جَنَائِزَنَا، وَيَغْزُو مَعَنَا، وَيُوَاسِينَا بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، وَإِنَّ نَاسًا يُعْلِّمُونِي بِهِ، عَسَى أَنْ لا يَكُونَ أَحَدُهُمْ رَآهُ قَطُّ!" (رواه الإمام أحمد في مسنده، وحسنه الشيخ أحمد شاكر) .
فما أحوجنا إلى التشبه بالنبي -صلى الله عليه وسلم- والتأسي به في جوده وكرمه وإحسانه، خصوصًا في أوقات الحاجة والعوز والفاقة، وكثرة الفقراء والمساكين، وفي الأوقات الفاضلة كشهر رمضان.
قال الله -تعالى-: ( وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ ) (المزمل:20) ، وقال -تعالى-: ( إِنْ تُقْرِضُوا اللهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ ) (التغابن:17) ، وقال -سبحانه وتعالى-: ( وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ) (الحديد:7) ، وحذر الله -تعالى- مِن البخل وأهله فقال: ( وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ ) (محمد:38) .
- قال ميمون بن مهران -رحمه الله-: "لَدرهم أتصدق به في حياتي أحبُّ إليَّ مِن مائة درهم يُتصدق بها عني بعد مماتي".
- وقال الشافعي -رحمه الله-: "أُحِبُّ للرجل الزيادة بالجود في شهر رمضان؛ اقتداءً برسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولحاجة الناس فيه إلى مصالحهم، ولتشاغل كثيرٍ منهم بالصوم والصلاة عن مكاسبهم".
جود النبي -صلى الله عليه وسلم- بنفسه في نصرة الإسلام ومصالح المسلمين وحاجاتهم:
- عن أنس -رضي الله عنه- قال: "كَانَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَحْسَنَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَشْجَعَ النَّاسِ، وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَانْطَلَقَ نَاسٌ قِبَلَ الصَّوْتِ، فَتَلَقَّاهُمْ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- رَاجِعًا، وَقَدْ سَبَقَهُمْ إِلَى الصَّوْتِ، وَهُوَ عَلَى فَرَسٍ لأَبِي طَلْحَةَ عُرْيٍ، فِي عُنُقِهِ السَّيْفُ، وَهُوَ يَقُولُ: ( لَمْ تُرَاعُوا، لَمْ تُرَاعُوا ) قَالَ: ( وَجَدْنَاهُ بَحْرًا، أَوْ إِنَّهُ لَبَحْرٌ ) قَالَ: وَكَانَ فَرَسًا يُبَطَّأُ" (متفق عليه) . ( وَجَدْنَاهُ بَحْرًا ): أي واسع الجري.
- وعن عليٍّ -رضي الله عنه- قال: "كُنَّا إِذَا احْمَرَّ الْبَأْسُ، وَلَقِيَ الْقَوْمُ الْقَوْمَ، اتَّقَيْنَا بِرَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَمَا يَكُونُ مِنَّا أَحَدٌ أَدْنَى مِنَ القَوْمِ مِنْهُ" (رواه أحمد، وصححه الشيخ أحمد شاكر) . والمراد: أنهم كانوا إذا اشتدت الحرب استقبلوا العدو بالنبي -صلى الله عليه وسلم- وجعلوه لهم وقاية؛ لقوته وشجاعته -صلى الله عليه وسلم-.
- وعن عبد الله بن شقيق -رحمه الله- قال: قلتُ لعائشة -رضي الله عنها-: هَلْ كَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُصَلِّي وَهُوَ قَاعِدٌ؟ قَالَتْ: "نَعَمْ، بَعْدَ مَا حَطَمَهُ النَّاسُ" (رواه مسلم) .