شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

رمضان شهر الجود والإحسان

محمود عبد الحفيظ البرتاوي • التزكية

قال النووي -رحمه الله-: "قَوْلُهَا قَعَدَ بَعْدَ مَا حَطَمَهُ النَّاسُ، قَالَ الرَّاوِي فِي تَفْسِيرِهِ: يُقَالُ حَطَمَ فُلانًا أَهْلَهُ إِذَا كَبُرَ فِيهِمْ، كَأَنَّهُ لمّا حَمَلَهُ مِنْ أُمُورِهِمْ وَأَثْقَالِهِمْ وَالاعْتِنَاءِ بِمَصَالِحِهِمْ صَيَّرُوهُ شَيْخًا مَحْطُومًا، وَالْحَطْمُ الشَّيْءُ الْيَابِسُ" (شرح النووي على مسلم) .

فسبحان الله! أخذ الناسُ شبابَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعافيته، وهو مع ما ذلك ما ملَّ قط مِن الإحسان إليهم والسعي في مصالحهم!

جود النبي -صلى الله عليه وسلم- بوقته وراحته:

- ذكر أنس بن مالك -رضي الله عنه- حديثًا عجبًا عن رجل في مسئولية النبي -صلى الله عليه وسلم-، وما عليه مِن أعباء، وما لديه مِن مهامٍ جليلة عظيمة، فقال: "إِنْ كَانَتِ الأَمَةُ مِنْ إِمَاءِ أَهْلِ المَدِينَةِ، لَتَأْخُذُ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَتَنْطَلِقُ بِهِ حَيْثُ شَاءَتْ!" (رواه البخاري) . والمراد بقوله: "لَتَأْخُذُ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-": غاية التصرف؛ فمهما طلبت الأَمة مِن النبي -صلى الله عليه وسلم- شيئًا قضاه لها وأجاب طلبها، وذهب معها ولو كان مكانًا بعيدًا!

- وعنه -رضي الله عنه- أيضًا قال: إِنَّ امْرَأَةً كَانَ فِي عَقْلِهَا شَيْءٌ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً، فَقَالَ: ( يَا أُمَّ فُلانٍ انْظُرِي أَيَّ السِّكَكِ شِئْتِ، حَتَّى أَقْضِيَ لَكِ حَاجَتَكِ ) فَخَلا مَعَهَا فِي بَعْضِ الطُّرُقِ، حَتَّى فَرَغَتْ مِنْ حَاجَتِهَا! (رواه مسلم) .

ولنا أن نتخيل ما الذي يمكن أن يهم امرأة في عقلها شيء -كما وصفها أنس رضي الله عنه-؟! ومع ذلك يعتني بها -صلى الله عليه وسلم- حتى يقضي ويحقق لها حاجتها!

جود النبي -صلى الله عليه وسلم- بالمال:

- عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: "مَا سُئِلَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنْ شَيْءٍ قَطُّ فَقَالَ: لاَ!" (متفق عليه) .

- وعن أنس -رضي الله عنه- قال: "مَا سُئِلَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى الإِسْلامِ شَيْئًا إِلا أَعْطَاهُ، قَالَ: فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَأَعْطَاهُ غَنَمًا بَيْنَ جَبَلَيْنِ، فَرَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ، فَقَالَ: يَا قَوْمِ أَسْلِمُوا، فَإِنَّ مُحَمَّدًا يُعْطِي عَطَاءً لا يَخْشَى الْفَاقَةَ!" (رواه مسلم) .

- وفي رواية: أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- غَنَمًا بَيْنَ جَبَلَيْنِ، فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ، فَأَتَى قَوْمَهُ فَقَالَ: "أَيْ قَوْمِ أَسْلِمُوا، فَوَاللهِ إِنَّ مُحَمَّدًا لَيُعْطِي عَطَاءً مَا يَخَافُ الْفَقْرَ!"، فَقَالَ أَنَسٌ: "إِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيُسْلِمُ مَا يُرِيدُ إِلا الدُّنْيَا، فَمَا يُسْلِمُ حَتَّى يَكُونَ الإِسْلامُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا" (رواه مسلم) .

- وقال صفوان بن أمية -رضي الله عنه-: "وَاللهِ لَقَدْ أَعْطَانِي رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَا أَعْطَانِي، وَإِنَّهُ لأَبْغَضُ النَّاسِ إِلَيَّ، فَمَا بَرِحَ يُعْطِينِي حَتَّى إِنَّهُ لأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ!" (رواه مسلم) .

- قال ابن رجب -رحمه الله -: "وكان جوده -صلى الله عليه وسلم- كله لله وفي ابتغاء مرضاته؛ فإنه كان يبذل المال إما لفقير أو محتاج أو ينفقه في سبيل الله أو يتألف به على الإسلام مَن يقوى الإسلام بإسلامه، وكان يؤثِر على نفسه وأهله وأولاده؛ فيعطي عطاءً يعجز عنه الملوك مثل: كسرى وقيصر! ويعيش في نفسه عيش الفقراء؛ فيأتي عليه الشهر والشهران لا يوقد في بيته نار، وربما ربط على بطنه الحجر مِن الجوع... وكان جوده -صلى الله عليه وسلم- يتضاعف في شهر رمضان على غيره مِن الشهور، كما أن جود ربه تضاعف فيه أيضًا؛ فإن الله جبله على ما يحبه مِن الأخلاق الكريمة، وكان على ذلك مِن قبْل البعثة " (لطائف المعارف) .

مِن جود الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- وإحسانهم:

- قال الله -تعالى- عن عيسى -عليه السلام-: ( وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ ) (مريم:31) . عن مجاهد -رحمه الله- في قوله: ( وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا ) قال: "نفـَّاعًا" (تفسير الطبري وابن كثير) .

- وقال عن يوسف -عليه السلام-: كانت صفة الإحسان ملازمة له على الدوام حتى وهو في الحبس والسجن اشتهر بالإحسان وعرف به، حتى قال له الفتيان اللذان سُجنا معه: ( نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ) (يوسف:36) ، وقال له إخوته وهم لا يعرفونه بعد أن صار إلى الملك والحكم: ( يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ) (يوسف:78) .

- وقال عن موسى -عليه السلام-: قال الله -تعالى- عنه: ( وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ . فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ) (القصص:23-24) .

مِن جود الصحابة -رضي الله عنه- وإحسانهم:

الصفحة السابقة الصفحة التالية