شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

مراتب المحبة

الشيخ ياسر برهامي • التزكية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

ففي المقال السابق: "لبيك اللهم لبيك" تعرَّضنا لقصيدة ابن القيم -رحمه الله-، ووعدنا بأن تكون لنا وقفة مع بيان بعض معانيها، وها نحن نشرع في ذلك.

قال ابن القيم -رحمه الله-:

ومـَـن لا يـجـب داعـي هـداك فـخــله يجب كل مَن أضحى إلى الغي داعيًا

يعني: أن مَن لا يستجيب لداعي الهدى الذي أنتَ عليه أيها المؤمن المحب؛ فخله، أي: أتركه ولا تنشغل به؛ فإنها نوعية مِن البشر لا تصلح، قال الله -تعالى-: ( فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ ) (الذاريات:45) ، فبعد تكرار البيان وتوضيح الدعوة إذا كان الإعراض وعدم الإجابة هو النتيجة؛ فاعلم أن الله لا يريد به خيرًا، فاتركه وانشغل بغيره؛ لأن هذا الإنسان المريض، بل الميت سوف يجيب كل داعٍ إلى سبيل الغواية ويقبل الباطل ويجيبه ( أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ ) (العنكبوت:67) .

وقل للعـيون الـرمـد: إيـاك أن تـري سنا الشمس فاستغشي ظلام اللياليا

يعني: أن مَن لم يرَ هذا الحق الذي هو أوضح مِن نور الشمس وهو دين الله الذي ابتعث به رسله؛ فعين قلبه هي المريضة، بها رمد؛ فلا يبصر الحقيقة، فقل له على سبيل الاستخفاف به: أنت لا تصلح لرؤية نور الحق، وإنما يناسبك الحجاب والغطاء والظلام مثل ظلمة الليالي: ( وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَّا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِّنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَ?ئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) (يونس:27) ، وقال -تعالى-: ( أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ ) (النور:40) ، ومعنى فاستغشي: أي تغطي بظلمة الليل الذي أنت فيه، ليل الكفر والظلم، والفسوق والعصيان والنفاق.

وسامح نفوسًا لم يهـبها لـحبـهـم ودعها وما اختارت ولا تك جافيًا

قال الله -تعالى-: ( قُل لِّلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) (الجاثية:14) ، فهذه المسامحة والصفح والعفو في الدنيا وعدم الانتقام مِن أصحاب النفوس التي لم يهبها الله مِن فضله ولم يهيئها لحبه -عز وجل-.

لحبهم: الجمع هنا للتعظيم-، واترك هذه النفوس وما اختارته مِن طرق الضلال والغي؛ فإنهم مساكين -المسكنة المذمومة- هم في شقاء وعذاب. ولا تك جافيًا: أي: غليظًا- عليهم فوق ما هم فيه مِن العذاب والنكد، وليس المقصود عدم الغلظة في المعاملة التي أمر الله بها عند جهادهم: ( وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ) (التوبة:73) ، ( وَلِيَجِدُوا فِيْكُمْ غِلْظَة ) (التوبة:123) ، بل هذه الغلظة رحمة بهم في الحقيقة لعلهم يرجعون، وإنما المقصود -والله أعلم-: لا تكن متمنيًا لهم الضلال والهلاك، وتحدث نفسك بالانتقام منهم لنفسك عقوبة منهم على ما ظلموك، يكفيهم عقوبة ما هم فيه مِن البعد عن الله.

وقـل لـلـذي قـد غـاب: يكفي عقوبة مغيبك عن ذا الشأن لو كنت واعيًا

فلو لم يكن مِن عقاب للكفرة والظلمة الذين غابوا عن حب الله ومعرفته وعبادته بشهواتهم الوقتية المملوءة بالتعب والنقص لكفى بها عقوبة، فمغيبهم عن هذا الشأن -شأن الإجابة لأمر الله والمحبة له- هو أشد عقاب، وحجاب قلوبهم عن الله أقسى عذاب، كما أن حجابهم عن الله يوم القيامة أشد عذابهم ( كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ) (المطففين:15) ، فلو كان هذا الغائب واعيًا عاقلاً؛ لأدرك أنه في عقوبة، ولكنه لا يدري، ولا يعقل ولا يعي!

ووالله لو أضحى نصيبك وافرًا رحمت عـدوًّا حـاسـدًا لـك قـاليًا

أي: لو أصبح نصيبك -أيها المؤمن- مِن الإيمان والحب والعبودية لله وافرًا كبيرًا؛ لرحمت أعداءك الحاسدين الكارهين لك -القالي: الكاره المبغض- الذين يؤذونك ويحقدون عليك، ورحمة الأعداء المؤذين للمؤمنين والشفقة عليهم لما هم فيه مِن الجهل؛ سنة ماضية عن الأنبياء وأتباعهم، قال إبراهيم الخليل -عليه السلام-: ( فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) (إبراهيم:36) .

وعن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَحْكِي نَبِيًّا مِنَ الأَنْبِيَاءِ ضَرَبَهُ قَوْمُهُ فَأَدْمَوْهُ وَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ وَيَقُولُ: ( اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) (متفق عليه) ، وقال الله -تعالى- عن مؤمن آل ياسين: ( قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ . بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ ) (يس:26-27) ، هذا ما لم يموتوا على الكفر أو يعلم نبيه بوحي أن هذا العدو يموت كافرًا، قال الله -تعالى-: ( وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ) (التوبة:114) ، وذلك حين مات كافرًا.

وقال موسى وهارون -عليهما السلام- في دعوتهما على فرعون وجنده: ( فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ ) (يونس:88) ، وقال -تعالى- عن نبيه نوح -عليه السلام-: ( رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا ) (نوح:26) .

الصفحة التالية