مراتب المحبة
الشيخ ياسر برهامي • التزكية
فلا تعارض بحمد الله، فالأَوْلى للمؤمن ما دام عدوه حيًّا أن لا يتمنى هلاكه على الكفر، وألا يدعو عليه بذلك، بل يرحمه لما هو فيه مِن العذاب؛ عذاب الحسد لأهل الإيمان، فإن الحسد قاتل لسعادة الإنسان وحياة قلبه، ومانع من الإيمان، وعذاب كراهية الحق الذي جاء به رسول الله -صلى الله عليه وسلم، وحب الباطل يقتضي كراهية العبد لنفسه ومقته لها إذ مقته الله -عز وجل- وأبغضه؛ فأبغضه كل شيء حتى نفسه! ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ ) (غافر:10) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ اللهَ إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّ فُلانًا فَأَحِبَّهُ، قَالَ: فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي فِي السَّمَاءِ فَيَقُولُ: إِنَّ اللهَ يُحِبُّ فُلانًا فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، قَالَ ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الأَرْضِ، وَإِذَا أَبْغَضَ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ فَيَقُولُ: إِنِّي أُبْغِضُ فُلانًا فَأَبْغِضْهُ، قَالَ فَيُبْغِضُهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي فِي أَهْلِ السَّمَاءِ إِنَّ اللهَ يُبْغِضُ فُلانًا فَأَبْغِضُوهُ، قَالَ: فَيُبْغِضُونَهُ، ثُمَّ تُوضَعُ لَهُ الْبَغْضَاءُ فِي الأَرْضِ ) (رواه مسلم) .
وقال الله -تعالى-: ( فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ ) (الدخان:29) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( وَالعَبْدُ الفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ العِبَادُ وَالبِلاَدُ، وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ ) (متفق عليه) .
فلو كان نصيبك -أيها المؤمن- مِن الإيمان وفيرًا كبيرًا لنظرت لمن آذاك في الله بعين الإشفاق؛ إذ هو المحروم مِن أعظم نعيم الدنيا والآخرة، شقي في الدارين، وأنت مَنَّ الله عليك بأعظم عطاء؛ فارحم مَن حسدك، واعف عمَّن ظلمك، وصِلْ مَن قطعك، واعطِ مَن حرمك، فإنك بذلك آخذ أضعاف أضعاف ما أعطيت.
ألـم تـر آثـار الـقـطـيعـة قـد بـدت على حاله فارحمه إن كنت راثيًا
ألا ترى آثار المعاصي والذنوب والكفر والنفاق والانقطاع عن الله -عن أمره وإجابة داعيه والعمل بشرعه- ظاهرة على وجوه الكفرة والظلمة والفسقة، وعلى أحوالهم كلها؟! ألا ترى كيف يقضون أوقاتهم في النكد والعذاب؟! لا يجدون راحة إلا بغياب عقولهم بالسكر؛ سكر الخمر والمخدرات، وسكر الشهوات حتى ينسوا ما هم فيه مِن البلاء! فارحمهم إن كنت ترثى لأحدٍ، وتتوجع على متألم جريح، بل مقتول؛ فأشفق عليهم، ولا تتمنَّ مزيد عذابهم.
خفافيش أعشاها النهار بضوئه ولاءمها قـطـع مِن الـلـيـل باديًا
هؤلاء الظلمة وأهل البدع والغي والضلال مثل الخفافيش التي يعميها ضوء النهار؛ أي: نور الوحي المنزل، نور الإسلام والهدى إذا ظهر تألمت وعميت عيونها عن رؤيته ولا تحب النور، هؤلاء والله منهم العلمانيون المنافقون الذين يكادون يموتون كمدًا حين يرون ظهور الإسلام وعودة الناس إليه، واليهود والنصارى والمشركون وأذنابهم أعداء الدين لا يلائمهم ولا يناسبهم إلا فترات الظلام، فترات غياب ظهور الشريعة في الأرض، ولا يستريحون ولا يطمئنون -وما هم بمطمئنين أبدًا- إلا بذلك، وهيهات؛ لذلك فلا يزال الله يظهِر الحق ويعلي الدين ( أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ ) (الأنبياء:44) .
فجالتْ وصالتْ فيه حتى إذا النهار بـدا اسـتـخـفـت وأعــطـت تـواريـا
هؤلاء المجرمون يصولون ويجولون ويمرحون بباطلهم في فترات انتصار الباطل المؤقت، والذي قدَّره الله -وليس مِن صنعهم هم- امتحانًا لعباده المؤمنين؛ ليعبدوه في فترات الإحراق قبل أن تأتي مدة الإشراق، فكما أن الليل والنهار مِن خلق الله؛ فالاستضعاف والتمكين ومداولة الأيام بيْن الناس هي مِن أفعاله -سبحانه-، وإنما يصول أهل الكفر والظلم في الظلام، يظنون أنهم هم الذين صنعوه ومنعوا ظهور الإسلام، وليس والله في قدرتهم: ( يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ . هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ) (الصف:8-9) .
فسوف يطلع النهار ويشرق النور -نور الدين الحق- ولو كره الكافرون، وعند ذلك ستختفي الخفافيش وتتوارى لتسلم بالاختفاء والتواري، وإنما قدَّر الله ذلك؛ ليعلم مَن يجيب في فترة الظلام ويسير إليه -سبحانه- رغم الظُّلمة والظَّلمة، وإلا فعند ظهور نور الشمس يستيقظ كل الناس.
فيا محنة الحسناء تهدى إلى امرئ ضـريـر وعـنيـن مِن الوجـد خـالـيًا
إذا ظـلـمـة الليل انـجـلـت بضيائهـا يـعــود لـعـيـنـيـه ظـلامـًا كـمـا هـيا
يشبِّه -رحمه الله- مسألة المحبة إذا أُلقيت على سمع مبتدع أو كافر أو منافق، أو غارق في شهوات نفسه البهيمية والإبليسية؛ بحسناء وضيئة زُفت إلى رجل أعمى وعنين لا قدرة له على معاشرة النساء، خالٍ مِن الحب، ما أبغضه مِن شخص؟! وما أسوأ معاملته للحسناء؟! لا يمكن أن يعاشرها ولا أن يرى جمالها، حتى إن جمالها ليذهب ظلمة الليل فتنيره.
ومسألة حب الله ككتاب الله؛ لأنها منه ( لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ ) (الواقعة:79) ، و الكتاب دلَّ عليها ، وهذا القرآن لا يمسه إلا المطهرون على أحد الوجوه في التفسير ، أو هو إشارة إلى أن القرآن لا يفهم معناه ولا يمس قلبه إلا مَن كان متطهرًا قلبه ، فالذي يجد لذة القرآن كما قال عثمان -رضي الله عنه-: " لو طهرت قلوبكم لما شبعت مِن كلام الله "، فهذه المسألة لا يفهمها ولا يفهم معناها ولا يذوق لها حلاوة ولا يرى قبسها ونورها إلا مَن كان مطهرًا .
فلو كلمت واحدًا مِن هؤلاء عن العبودية والحب، وعن لبيك وسعديك أعاد الضياء في عينيه ظلامًا ، وبقيت عينيه مظلمة كما هي مِن قبْل عرض هذه المسألة عليه ، فإذا كان الأمر كذلك فلا تعرضها عليه، ولا تحاول معه، طالما وجدت إعراضًا.