شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

وَامْكُرْ لِي وَلا تَمْكُرْ عَلَيَّ

الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

ففي وسط الجو الذي يكثُر فيه الهجوم علينا بما لم نرَ مثله قبْل ذلك في تاريخنا؛ إذ تُسَخَّر قنوات وجرائد وصحف ومجلات وأقلام، وبكل الوسائل يحاول الكثير تشويه الصورة، ويحاولون صد الناس عن الطريق مِن خلال ما يقولونه مِن البُهتان والكذب، ومِن لَيِّ الكلام وتحريفه عن مواضعه، وقد يشعر الكثير منا باليأس، ويشعر بالضيق لما يحدث، ويتمنى أن لم يكن قد حدث، ولكن مَن تدبر ما كان يدعو به النبي -صلى الله عليه وسلم- في دعائه: ( رَبِّ أَعِنِّي وَلا تُعِنْ عَلَيَّ، وَانْصُرْنِي وَلا تَنْصُرْ عَلَيَّ، وَامْكُرْ لِي وَلا تَمْكُرْ عَلَيَّ، وَاهْدِنِي وَيَسِّرِ الْهُدَى لِي ) (رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وصححه الألباني) ؛ فإنه يزول عنه ما يراه، وما يجده مِن الألم والضيق واليأس، يزول عنه كل ذلك ويحل مكانه السرور والفرح بما يفعله الأعداء والمخالفون به! يجد لذة للذي يُفعل به في الله -عز وجل-، ولنتأمل معًا بعض ما في هذا الدعاء العظيم الجامع مِن الفوائد الإيمانية.

قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( وَامْكُرْ لِي ):

الله -عز وجل- يدبر أمر عباده بما يخفى عليهم: ( وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ) (آل عمران:54) ، فمكره هو المكر الخير دون المكر السيئ، فإنه ليس مِن صفته، ولا مِن فعله، ولا هو أهله -عز وجل-، فإن الله -عز وجل- يمكر خير المكر، ويدبر بالخفاء ما لا يحيط العباد به علمًا كما قال -عز وجل- عمَّن مكر بالمسيح -صلى الله عليه وسلم- ليصلبه ويقتله: ( وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ . إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ) (آل عمران:54-55) .

فانظر كيف كانت عاقبة مكر المجرمين... فَسَدَ مكرهم وبطل كيدهم، ونجى الله -عز وجل- رسوله عيسى -عليه السلام-، وما تمكنوا مِن قتله ولا صلبه، بل رفعه الله إليه، كما قال الله -تعالى-: ( وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا . بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا . وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ) (النساء:157-159) .

فانظر عاقبة مكر هؤلاء المجرمين أن أضلهم الله -عز وجل-، وختم على أسماعهم وأبصارهم، فشُبِّهَ لهم الأمر، ونجى الله المسيح -عليه السلام-، ثم جعل دعوته هي الظاهرة في الأرض وهي دعوة التوحيد، فلا تزال كلمة " لا إله إلا الله" التي دعا إليها المسيح -عليه السلام- ودعا إليها كل الرسل ظاهرة في الأرض، ولا يزال هناك مَن يدافع عنها وينصرها ويظهرها، وقد جعل الله كل مَن تمسك بها ظاهرًا على مَن خالفها، ثم تكون عاقبة الأمر أشفى لصدورهم، وأكثر اطمئنانًا لقلوبهم إذا نزل المسيح -عليه السلام-، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلاً، فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلَ الخِنْزِيرَ، وَيَضَعَ الجِزْيَةَ ) (متفق عليه) .

وانظر إلى كيد الله -عز وجل- ليوسف -عليه السلام-، وهذا مِن المكر الخير؛ فالله خير الماكرين، قال الله -تعالى-: ( فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ . قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ . قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ . قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ . قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ . قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ . فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ) (يوسف:70-76) .

فهذا خير الكيد وخير المكر مِن الله -عز وجل- ليوسف -عليه السلام- وأخيه؛ ليتمكن يوسف مِن أخذه بهذه الحيلة معززًا مكرمًا عنده، وإخوته يظنون أنه في كرب وبلاء، وأنه صار عبدًا رقيقًا كما ألزموا أنفسهم بذلك ( قَالُوا جَزَاؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ ) ؛ أي: يُدفع عبدًا رقيقًا جزاءً على سرقته إذا ثبت أنه قد سرق، فالتزموا ذلك، وهذه شريعة يعقوب -عليه السلام-، ولم تكن مِن شريعة الملك المطبقة في ذلك الوقت، وما كان يوسف -عليه السلام- ليتمكن مِن أخذ أخيه في شريعة الملك التي كان يعمل بها، بل ألزم يوسف -عليه السلام- إخوته بشريعة يعقوب -عليه السلام-؛ لأنها كانت لازمة لإسرائيل -عليه السلام- وبنيه فقط، ولم تكن لازمة للناس كافة؛ كشريعة النبي محمد -صلى الله عليه وسلم-، ولذلك حاكمهم إلى شريعتهم فأخذ أخاه.

الصفحة التالية