وَامْكُرْ لِي وَلا تَمْكُرْ عَلَيَّ
الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين
قال الله -تعالى-: ( كَذَ?لِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ ) أي: في شرع الملك ( إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ )، لكن لأن الله شاء أن يأخذه فأخذه ( كَذَ?لِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ )، الله -عز وجل- يكيد لعباده المؤمنين، قال الله -تعالى-: ( إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا . وَأَكِيدُ كَيْدًا . فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا ) (الطارق:15-17) .
فحين يمكر الأعداء بالمسلمين وحين يخططون لهم وعندهم مِن أسباب الإحاطة أكثر مما عند المسلمين، عندهم أسماع توصل إليهم كثيرًا مِن الأصوات، وعندهم أجهزة تنقل إلى أبصارهم كثيرًا من الصور، وعندهم مِن القوة ما قد يطوقون به المسلمين، وهم يخططون ويكيدون، ومع ذلك فالله مِن ورائهم محيط، قال الله -تعالى-: ( هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ . فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ . بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ . وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ . بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ . فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ) (البروج:17-22) ، فالله -عز وجل- جعل كتابه محفوظًا وشرعه قائمًا، وهو -عز وجل- يكيد للمؤمنين كيدًا حسنًا خيرًا لا شر فيه؛ فيكيد بمن يستحق الكيد، ويمكر بمن يستحق المكر .
(وَامْكُرْ لِي): دبِّر لي أمري في خفاء مِن حيث أعلم، ومِن حيث لا أعلم، ومِن حيث يعلم الأعداء، وربما مِن حيث يحتسبون ومِن حيث لا يحتسبون، ومن حيث يحذرون ومِن حيث لا يحذرون، مِن حيث يحذرون بأنهم مِن مكر الله -عز وجل- بهم إذ مكروا بالمؤمنين ودبروا لهم في الخفاء، وأحاطوا بهم فيها يظنون، والله -عز وجل- يعاقبهم على كيدهم ومكرهم بأن يكيد عليهم -عز وجل-، وأن يمكر بهم لصالح المؤمنين بحمده ورحمته وفضله -عز وجل-؛ ولذا فالمؤمن ينبغي أن يفوض أمره دائمًا إلى الله -عز وجل-.
إذا دعا المؤمن ربه -عز وجل- ليمكر له ولا يمكر عليه، لم يشغله كثيرًا مكر الماكرين، ولم يقلق لذلك المكر؛ لأنه فوض أمره إلى الله -عز وجل-، كما قال الله -عز وجل- عن مؤمن آل فرعون: ( وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ . تَدْعُونَنِي لأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ . لا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلا فِي الآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ . فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ . فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ . النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ) (غافر:41-46) .
جهر الرجل بدعوة الحق، وبعد أن كان يكتم إيمانه أعلنه، ودافع عن موسى -عليه السلام-، وتلطف في بيان الحق لقومه، وذكَّرهم معاني الإيمان بالله واليوم الآخر، وذكَّرهم بدعوة الرسل السابقين واللاحقين وحذرهم من النار، وأظهر كل ما عنده بعد كتمانه بمدة طويلة، ولم يخشَ فرعون وهو ذو الأوتاد، الذي تمكن في ملكه أعظم التمكين، وهو الذي مكر أشد المكر بالمؤمنين، ومع ذلك فالمؤمن قد جهر بكلمة الحق ( فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ . فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا ).
فلا ينبغي الانشغال كثيرًا بمكر الماكرين إلا ما كان مِن الأخذ بالأسباب المتاحة، وأما ما لا يتاح لنا فلا نشغل أنفسنا به، وأما ما قد نعرفه ولا نستطيع دفعه فنفوض أمورنا إلى الله -عز وجل-، ونسأله ألا يمكر علينا.
قوله -صلى الله عليه وسلم-: (وَلا تَمْكُرْ عَلَيَّ):
إنما يمكر الله -عز وجل- على العبد إذا فعل ما يستوجب ذلك بأن يستدرجه الله -عز وجل-، وهذا مَكره به، يستدرجه بسبب ذنوبه ويملي له كما قال الله -تعالى-: ( فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ . وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ) (القلم:44-45) ، يملي لهم كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ ) قَالَ: ثُمَّ قَرَأَ: ( وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ القُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ) (هود:102) (متفق عليه) .
يملي لهم لمتانة كيده؛ لأن كيده متين، فهو يكيد بهم؛ فاحذر -يا عبد الله- أن يكيد الله بك بأن تظل على معصيته ومخالفته وهو ينعم عليك بالمزيد، وتغتر بستره -عز وجل-، وإرخاء كنفه عليك، فيكون ذلك استدراجًا، فإن مَن استمرت به النـِّعم وهو على مخالفة شرع الله فإنما هو استدراج مِن الله للعبد، ومكر به، نعوذ بالله أن يمكر بنا.
فالعبد المؤمن لا تغره فترة الدنيا وإن طالت؛ فإنه يعلم أنها ذرة بالنسبة إلى الأبد، كما قال الله -تعالى-: ( وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ) (الحج:47) .