شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

وَامْكُرْ لِي وَلا تَمْكُرْ عَلَيَّ

الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين

فلا تُغر بملك ظالم، ولا بعلو متكبر، ولا بقوة زائفة لأعداء الإسلام؛ فإن الله يمكر بهم، ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر، فهو -عز وجل- لمتانة كيده وقوة مكره يملي لهم ويستدرجهم، ويعطيهم مِن الدنيا، كما قال الله -تعالى-: ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ . فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ . فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ . فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) (الأنعام:42-45) .

لما نسوا ما ذكَّرهم الله به فتح عليهم أبواب الدنيا وآتاهم مِن كل أرزاقها رزقًا واسعًا؛ ولذلك ظنوا أنهم مرضي عنهم، وأنهم فائزون في الدنيا والآخرة ( حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ . فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ).

وتأمل في مكث قوم نوح -عليه السلام- ظلوا يكذبونه ألف سنة إلا خمسين عامًا! كم يبلغ عمر الأمم المتكبرة الطاغية في زماننا؟! لا يبلغ مائتين مِن السنين أو خمسمائة مِن السنين، وانظر إلى صبر نوح -عليه السلام- الطويل، وهو يدعو إلى الله ألف سنة إلا خمسين عامًا، يُكذَّب ويُتهَم بالجنون، ويهدد بالرجم والطرد الإبعاد، ويسخر به بأنواع السخرية، ولا يأتيه النصر طيلة ألف سنة إلا خمسين عامًا إلى أن يأذن الله بالفرج والنصر، فرجاء الفرج مِن الله عبادة.

فإذا شاهدت مكر الله بالأعداء حين يُملي لهم وتأكدت مِن متانة كيده -عز وجل- استرحت أعظم الراحة وتيقنت أنهم يلعبون ( ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ ) (الأنعام:91) ، ( فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ ) (الزخرف:83) .

أيظن عاقل أن أعداء الله يعجزونه؟! واللهِ إنهم يلعبون، أيظنون أنهم يُطفئون نور الله بأفواههم؟ يريدون ذلك، ولكن هل تطفأ الشمس بأفواه النافخين؟!

يستحيل ذلك؛ فدين الله ظاهر، لكن الله يقدِّر مِن الآلام ما يقوي به المؤمنين؛ لتقوى قلوبهم بالدعاء والتضرع، والاستعانة واللجوء إلى الله -عز وجل-، والصبر، وشهود ملكه وتدبيره، وشهود كيده لأوليائه، وكيده بأعدائه ومكره بهم -عز وجل-، ويمهلهم رويدًا، وينتظرون فإن الوقت في صالحهم، قال الله -تعالى-: ( فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا ) (الطارق:17) ، أمهلهم قليلاً، والقليل في عمر الأمم وإن كان طويلاً في جنس الناس فهو عند الله يسير، وعن قريب ترون ما وعد الله به؛ ليعلم الناس أن وعد الله حق، وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين، ولتطمئن قلوب المؤمنين بنصر الله -عز وجل- وتفرح به نفوسهم، فسوف يظهر أمر الله؛ لأنه -عز وجل- هو الذي ينصر هذا الدين ويمكر لعباده المؤمنين بأعدائه الكافرين، فنعوذ بالله أن يمكر بنا، ونسأله أن يمكر لنا سبحانه وبحمده.

وأما المكر السيئ فإنه لا يحيق إلا بأهله: قال الله -تعالى-: ( وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلا بِأَهْلِهِ ) (فاطر:43) ، وقال -تعالى-: ( مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَ?ئِكَ هُوَ يَبُورُ ) (فاطر:10) .

فمكرهم بائر، ومكر الله بهم واقع حاصل، لا بد أن يقع ما أخبر الله -عز وجل-؛ فاثبتوا عباد الله على طاعته، وداوموا على التزام شرعه، ولا تغرنكم قوة المجرمين ولا تسلـُّط الظالمين، ولا يضعفن مِن التزامكم ما ترون مِن بلاء على المؤمنين، بل ( اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ? (الأعراف:128) .

الصفحة السابقة