ليلة العُمُر... !
عصام حسنين • التزكية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فمن خصائص شهر رمضان الكريم أن الله -تعالى- اختصه بنزول القرآن العظيم فيه في ليلة القدر منه؛ تلكم الليلة المباركة الكثيرة الخيرات كما قال الله -تعالى-: ( إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ ) (الدخان:3) ، التي يقدَّر فيها مقادير السَّنة كما قال الله -تعالى-: ( فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ . أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ) (الدخان:4-5) .
قال غير واحدٍ مِن السلف: "في هذه الليلة يفصل مِن اللوح المحفوظ إلى الكتبة أمر السَّنة، وما يكون فيها مِن الآجال والأرزاق، وما يكون فيها إلى آخرها" (تفسير ابن كثير) .
- وفي هذه الليلة تتنزل الملائكة وجبريل -عليه السلام- بإذن ربهم مصحوبين بكل أمر قضاه الله -تعالى-، وحكم به مِن في تلك السنة مِن خير وشر، ومِن رزق وأجل، كما قال الله -تعالى-: ( تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ ) (القدر:4) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ سَابِعَةٍ أَوْ تَاسِعَةٍ وَعِشْرِينَ، إِنَّ المَلاَئِكَةَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ فِي الأَرْضِ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ الحَصَى ) (رواه أحمد، وحسنه الألباني) .
- وهي ليلة سالمة مِن كل شر مِن أولها إلى غروب الشمس إلى طلوع الفجر مِن ليلتها، كما قال الله -تعالى-: ( سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ ) (القدر:5) .
- وهي ليلة تُحسب بالعُمُر؛ لأن العمل الصالح فيها يقابل ويزيد على ألف شهر، أي ما يقارب ثلاثًا وثمانين سنة وأربعة أشهر، قال الله -تعالى-: ( لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ) (القدر:3) .
قال ابن جرير الطبري -رحمه الله-: "قال بعضهم: معنى ذلك: العمل في ليلة القدر بما يرضي الله خير من العمل في غيرها ألف شهر. عن مجاهد قال: عملها وصيامها وقيامها خير مِن ألف شهر. وقال آخرون: معنى ذلك أن ليلة القدر خير مِن ألف شهر ليس فيها ليلة القدر. عن قتادة قال: خير مِن ألف شهر ليس فيها ليلة القدر".
ثم رجح ابن جرير هذا القول الثاني.
وقال ابن كثير -رحمه الله-: "وهو الصواب لا ما عداه، وهو كقوله -صلى الله عليه وسلم-: ( رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ يَوْمٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَنَازِلِ ) (رواه أحمد والترمذي، وحسنه الألباني) ، وكما جاء في قاصد الجمعة بهيئة حسنة ونية صالحة أنه يُكتب له عمل سنة أجر صيامها وقيامها إلى ذلك مِن المعاني المشابهة لذلك" انتهى من التفسير بتصرف يسير .
ولهذه الفضائل عظـَّم الله -تعالى- مِن شأنها فسماها ليلة القدر، قال العلامة السعدي -رحمه الله-: "وسميت ليلة القدر؛ لعظم قدرها وفضلها عند الله، ولأنه يُقدر فيها ما يكون في العام مِن الآجال والأرزاق والمقادير القدرية" اهـ.
وسمَّى سورة باسمها "سورة القدر" وذكرت فيها ثلاث مرات؛ لشرفها وعلو قدرها، وأتى بالاستفهام للتفخيم.
وللدلالة على أن شرفها ليس مما تسهل الإحاطة به، قال الله -تعالى-: ( إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ . وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ ) ثم استأنف: ( لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ) كأنها جواب لسؤال نشأ عن تفخيمها تقديره: وما فضائلها؟ (تفسير القاسمي) .
- ولهذه الفضائل كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعتكف العشر الأواخر مِن رمضان التماسًا لها، كما ثبت في الصحيحين مِن حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: اعْتَكَفَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَشْرَ الأُوَلِ مِنْ رَمَضَانَ وَاعْتَكَفْنَا مَعَهُ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ، فَقَالَ: إِنَّ الَّذِي تَطْلُبُ أَمَامَكَ، فَاعْتَكَفَ العَشْرَ الأَوْسَطَ، فَاعْتَكَفْنَا مَعَهُ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: إِنَّ الَّذِي تَطْلُبُ أَمَامَكَ، فَقَامَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- خَطِيبًا صَبِيحَةَ عِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ فَقَالَ: ( مَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَلْيَرْجِعْ، فَإِنِّي أُرِيتُ لَيْلَةَ القَدْرِ، وَإِنِّي نُسِّيتُهَا، وَإِنَّهَا فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ، فِي وِتْرٍ، وَإِنِّي رَأَيْتُ كَأَنِّي أَسْجُدُ فِي طِينٍ وَمَاءٍ ).
- وحضَّ أمته على قيامها واغتنام خيرها وفضلها، فقال -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ) (متفق عليه) ، وقال: ( إِنَّ هَذَا الشَّهْرَ قَدْ حَضَرَكُمْ، وَفِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَهَا فَقَدْ حُرِمَ الْخَيْرَ كُلَّهُ، وَلَا يُحْرَمُ خَيْرَهَا إِلَّا مَحْرُومٌ ) (رواه ابن ماجه، وحسنه الألباني) .
- وأخبر -صلى الله عليه وسلم- أمته أنها في العشر الأواخر مِن رمضان، كما جاء في حديث أبي سعيد الخدري -وقد تقدم-، وحديث: ( تَحَرَّوْا لَيْلَةَ القَدْرِ فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ ) (متفق عليه) ، وحديث: ( تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْوِتْرِ مِنَ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ من رَمَضَان ) (رواه البخاري) .