ليلة العُمُر... !
عصام حسنين • التزكية
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "ليلة القدر في العشر الأواخر مِن شهر رمضان... وتكون في الوتر منها، لكن الوتر يكون باعتبار الماضي فتطلب ليلة إحدى وعشرين، وليلة ثلاث وعشرين، وليلة خمس وعشرين، وليلة سبع وعشرين، وليلة تسع وعشرين، ويكون باعتبار ما بقي كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: لتاسعة تبقى، لسابعة تبقى، لخامسة تبقى، لثالثة تبقى... فعلى هذا إذا كان الشهر ثلاثين يكون ذلك ليالي الأشفاع، وتكون الاثنين والعشرين تاسعة تبقى وليلة أربع وعشرين سابعة تبقى. وهكذا فسره أبو سعيد الخدري في الحديث الصحيح. وهكذا أقام النبي صلى الله عليه وسلم في الشهر. وإن كان الشهر تسعا وعشرين كان التاريخ بالباقي. كالتاريخ الماضي. وإذا كان الأمر هكذا فينبغي أن يتحراها المؤمن في العشر الأواخر جميعه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: تحروها في العشر الأواخر، وتكون في السبع الأواخر أكثر، وأكثر ما تكون ليلة سبع وعشرين كما كان أبي بن كعب يحلف أنها ليلة سبع وعشرين" (مجموع الفتاوى 25/ 283) .
- وقال الحافظ ابن كثير -رحمه الله-: "قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ ) (رواه البخاري) ، يعني عدم تعيينها لكم؛ فإنها إذا كانت مبهمة اجتهد طلابها في ابتغائها في جميع محال رجائها، فكان أكثر للعبادة بخلاف ما إذا علموا عينها، فإنها كانت الهمم تتقاصر على قيامها فقط، وإنما اقتضت الحكمة إبهامها لتعم العبادة جميع الشهر في ابتغائها، ويكون الاجتهاد في العشر الأخير أكثر" (التفسير 4/ 534) .
- وهذا هو الأحوط والأفضل خروجًا مِن خلاف العلماء في تعيينها أن نجتهد في رمضان، ثم يكون اجتهادنا أشد مِن العشر الأواخر "خاصة ليالي الوتر"، قالت عائشة -رضي الله عنها-: "كَانَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَجْتَهِدُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، مَا لَا يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهِ" (رواه مسلم) . وقالت: "كَانَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ، أَحْيَا اللَّيْلَ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ، وَجَدَّ وَشَدَّ الْمِئْزَرَ" (متفق عليه) .
وعند الإمام أحمد بسندٍ صحيح قالت -رضي الله عنها-: "كَانَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِذَا بَقِيَ عَشْرٌ مِنْ رَمَضَانَ، شَدَّ مِئْزَرَهُ، وَاعْتَزَلَ أَهْلَهُ". وشد المئزر كناية عن الجد في العبادة. وأحيا ليله: أي بالسهر في طاعة الله مِن الذكر والقراءة، والصلاة والسجود، ونحو ذلك. وأيقظ أهله: أي أزواجه للصلاة.
وأخرج الطبراني بسندٍ حسن عن علي -رضي الله عنه- قال: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُوقِظُ أَهْلَهُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَكُلَّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ يُطِيقُ الصَّلَاةَ".
وقال سفيان الثوري -رحمه الله-: "وأحب إليَّ إذا دخل العشر الأواخر أن يتهجد بالليل، ويُنهض أهله وولده إلى الصلاة إن أطاقوا ذلك".
- ويستحب أن يكثر الدعاء خاصة الدعاء بالعفو كما جاء في حديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ وَافَقْتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ مَا أَدْعُو؟ قَالَ: ( تَقُولِينَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي ) (رواه الترمذي وابن ماجه، وصححه الألباني) .
- ويستحب للقيام السواك والطيب: فعن أنس -رضي الله عنه- قال: كان للنبي -صلى الله عليه وسلم- إناء يعرض عليه سواكه، فإذا قام من الليل خلا واستنجى واستاك وتوضأ ثم تطلب الطيب في رباع نسائه.
- وكان مِن السلف مَن يتهيأ لليلة التي يُرجى أن تكون ليلة القدر: فعن ثابت وحميد أنهما كانا يغتسلان ويتطيبان، ويلبسان أحسن ثيابهما، ويطيبان مساجدهما في الليلة التي يُرجى أن تكون ليلة القدر.
- وكان لتميم الداري -رضي الله عنه- حلة بألف درهم يلبسها في الليلة التي يُرجى أن تكون ليلة القدر.
- وكان أيوب السختياني -رحمه الله- يغتسل ليلة ثلاث وعشرين ويمس الطيب.
أخي... ليلة هذه فضلها لا يغلو في طلبها عشر ولا دهر.
حقـًّا! ليلة بالعمر.
بلـَّغني الله وإياكم إياها، وجعلنا مِن أهلها.
آمين. وصلى الله على محمدٍ، وعلى آله وصحبه وسلم.