يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ
الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
ففي ظل هذه الأجواء من الفتن المتراكمة على الأمة "وخاصة على شبابها"، نحتاج إلى أن نأخذ من القرآن الغذاء والشفاء؛ فالقرآن هو غذاء القلوب وشفاؤها، وهو غذاء المجتمعات وشفاؤها، وهو غذاء الدعوات وشفاؤها.
وحاجتنا إلى أن نتدبَّر القرآن ونتصرف بناءً على توجيهه ضرورة مِن ضرورات إنقاذ أمتنا، والشباب خصوصًا في حاجة إلى تَلَمُّسِ الهُدَى من كتاب الله -سبحانه وتعالى-؛ ولهذا نقف هذه الوقفة مع آيات مِن سورة مريم في تنشئة الله -عز وجل- ليحيى بن زكريا -عليهما السلام-، قال الله -تعالى-: ( يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا . وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا . وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا . وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا ) (مريم:12-15) .
- (خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ):
( خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ): أي أن يحفظ ألفاظه، ويدرك معانيه ويفهمها، ويأخذه بقوة، وهذا الأمر هو الذي أمر الله -عز وجل- به موسى -عليه السلام-، وأمر به بني إسرائيل مِن بعده، وهو أمرٌ لنا كذلك، قال الله -عز وجل- فيما أوحى الله إلى موسى -عليه السلام-: ( وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ ) (الأعراف:145) .
وهناك مِن الناس مَن يأبى أن يأخذ الكتاب بقوة حتى يرى الآية القاهرة، ويُهدَّد أعظم التهديد، كما كان الحال مع بني إسرائيل في قوله -تعالى-: ( وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) (الأعراف:171) ، ولكن يحيى بن زكريا -عليهما السلام- كان مستجيبًا منذ صغره، ويأخذ الكتاب بقوة.
وأخذ ما آتانا الله -عز وجل- بقوة واجبٌ علينا؛ لأن هذه الأوامر لمن قبلنا قد أتى شرعنا بمثلها ولم ينقضها، والقوة تشمل القوة العلمية والقوة العملية: فالقوة العلمية في أن تفهم معاني الكلام، وتحفظه، وتتدبره، وتعرف دلالاته وتدركها، وفي نفس الوقت لا بد أن تعمل وأن تقوم بهذا وتدعو به؛ فاحرص على القوة العلمية والقوة العملية، فبالقوة العلمية المبصرة والقوة العملية المحركة ينجو الإنسان عند الله -عز وجل-.
والكتاب عطيَّة، والوحي الذي أنزله الله -عز وجل- مِنَّة منه -سبحانه-، وكثير مِن الناس يظنون في قضية الالتزام بالدين والعمل به أنهم يبذلون، وأن الإنسان هو الذي يعطي، والحقيقة أنك تأخذ وتعطي، وأنك إذا وُفِّقت للعلم والعمل والدعوة فقد أعطاك الله -عز وجل- ما لم يعطِ غيرك مِن الناس، فإن وفقك الله للعلم والعمل بقوة؛ فاعلم أن ما اجتباك الله به قد اجتبى به آحادًا أفذاذًا في العالم.
وقضية أخذ ما آتانا الله مِن الوحي بقوة لا بد أن نحاول تفعيلها في حياتنا؛ لأنها تعبير عن الصدق في السير إلى الله، ومعنى الصدق في السير إلى الله هو الأخذ بقوة، فعندما تطلب العلم تطلبه بقوة فتكون جادًّا في حفظ القرآن وطلب العلم، وتجتهد في العمل الصالح بقوة أيضًا، وكذا القوة في الدعوة إلى الله -عز وجل- بأن تستفرغ كل وسعك في العمل الذي أنت فيه بدلاً مِن أن يكون الإنسان متكاسلاً ومتوانيًا، وقد قال الله -عز وجل- لموسى وهارون -عليهما السلام-: ( وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي ) (طه:42) .
وقد يكون المرء راغبًا حقًّا فيما عند الله، ولكنه ضعيف الرغبة، ضعيف السير، لا يجتهد ولا يبذل كل ما عنده، فهو عنده طاقات أخرى فعلاً، ولكنه يهدرها، وعنده أوقات، ولكنه يُبَذِّر فيها، ويسرف على نفسه في الأوقات، فتضيع الأيام تلو الأيام، والليالي تلو الليالي وهو لم يُحصِّل شيئًا؛ لا علمًا ولا عبادة ولا عملاً، ولا مراقبة للنفس ولا تهذيبًا لها، ووالله إن الأخلاق تحتاج إلى سنين للتغير، فإذا تركها الإنسان وسوَّف فإنها تزداد سوءًا كل يوم؛ ولذلك تزداد الأمراض التي نعاني منها، ويضعف النور الذي عندنا، ويضعف التأثير في الخلق والناس، ويبتعد النصر أكثر، ويبتعد ما نرجوه ونرغب فيه مِن نصرة الدين.
فالإنسان في حاجة لأَنْ يستغل كل لحظة مِن وقته حتى يؤدي ما عليه، ونحن علينا الكثير لنعمله، ونحتاج الكثير؛ علمًا وعملاً، وإصلاحًا لنفوسنا، وتهذيبًا لأخلاقنا، ودعوة الناس إلى الله -عز وجل- بسلوكنا قبل كلامنا؛ كل هذا نحتاجه حتى لا تضيع الأوقات وتمر السنين والإنسان لا يزال على نفس حاله ومستواه في العلم والعمل؛ فلا تتغير الأمة، ويستمر هذا الضعف، ونسأل الله العافية.
ومَن يغيِّر الله بهم الأمم هم الذين يأخذون الأمور بالعزم وبالقوة، قال الله -تعالى-: ( فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ) (الأحقاف:35) ، فأولوا العزم من الرجال هم الذين يقومون بأخذ ما آتاهم الله -عز وجل- بقوة علمًا وعملاً، ودعوة وصبرًا، وإصلاحًا لأنفسهم ولمن حولهم.
- (وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا):
( وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا ): الحكم هو الفهم في الدين، والحرص والعزم، وذكر بعض أهل العلم أنه معرفة أحكام الدين حتى يحكم بينهم ويفصل بينهم فيما اختلفوا فيه، وهذا ليس بمستبعد؛ فإنه مِن ضمن الفهم في الدين أن يكون الإنسان قادرًا على التمييز بيْن الحق والباطل، والسُّنة والبدعة، والخطأ والصواب، فيحيى بن زكريا -عليهما السلام- آتاه الله الحكم صبيًّا، فهو يفهم الدين فهمًا جيدًا، فقد آتاه الله التوراة وحفظها مبكرًا، وقام بها، فحكم بين أهل الكتاب فيما اختلفوا فيه وهو صبي؛ فكيف بما حازه بعد ذلك مِن المناصب العالية الرفيعة، والخصال العالية الجميلة بعد بلوغ مبلغ الرجال وكمال العقل؟!