شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ

الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين

وكلما كان المرء ناشئًا في الطاعة منذ صغره؛ كلما كان أقرب إلى الله -تعالى-، فمِن منن الله على عبده أن يوفقه للطاعة وهو صغير، كما امْتَنَّ على يحيى بن زكريا -عليهما السلام-، وأدنى مِن ذلك منزلة مَن يؤتى الطاعة في شبابه، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ: الإِمَامُ الْعَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ بِعِبَادَةِ اللهِ ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ، وَرَجُلانِ تَحَابَّا فِي اللهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لا تَعْلَمَ يَمِينُهُ مَا تُنْفِقُ شِمَالُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ خَالِيًا، فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ ) (متفق عليه) ، فمن وُفِّقَ إلى الطاعة في صغره فذلك مِن علامات إرادة الخير به.

- (وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا):

قوله -تعالى-: ( وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا ) فيه عِدَّة تفسيرات، وكلها جميلة رائعة، ومتلازمة عند مَن يتأملها.

قال ابن كثير -رحمه الله-: "وقوله: ( وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا ) قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ( وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا ) يقول: ورحمة مِن عندنا، وكذا قال عكرمة، وقتادة، والضحاك، وزاد: لا يقدر عليها غيرنا، وزاد قتادة: رُحِم بها زكريا. وقال مجاهد: ( وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا ) وتعطفًا مِن ربه عليه".

- فالمعنى الأول: أن يحيى -عليه السلام- جعله الله حنانًا مِن عنده لزكريا، ورحمة من عنده.

واسما الحنَّان والمنَّان قد وردا، وإن كانت بعض الأحاديث فيها ضعف إلا أن لها طرقًا متعددة تثبت أن الله -عز وجل- حنَّان منَّان؛ منها: حديث أنس -رضي الله عنه- قال: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي الْحَلْقَةِ، وَرَجُلٌ قَائِمٌ يُصَلِّي، فَلَمَّا رَكَعَ وَسَجَدَ جَلَسَ وَتَشَهَّدَ، ثُمَّ دَعَا، فَقَالَ: اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّ لَكَ الْحَمْدَ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ، الْحَنَّانُ، بَدِيعَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، ذَا الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، إِنِّي أَسْأَلُكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( أَتَدْرُونَ بِمَا دَعَا؟ )، قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: ( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ دَعَا اللهَ بِاسْمِهِ الْعَظِيمِ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) ، وفي رواية ابن حبان: ( الْحَنَّانُ الْمَنَّانُ ).

وقد ورد "التحنن" في السُّنة أيضًا، ومِن ذلك: ما جاء في حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- مرفوعًا وفيه: ( ثُمَّ يَتَحَنَّنُ اللهُ بِرَحْمَتِهِ عَلَى مَنْ فِيهَا، فَمَا يَتْرُكُ فِيهَا عَبْدًا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ إِلا أَخْرَجَهُ مِنْهَا ) (رواه أحمد، والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم) .

وأمَّا المنُّ فكثير في القرآن: قال الله -تعالى-: ( وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ) (إبراهيم:11) ، وقال: ( يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) (الحجرات:17) ، وقال: ( وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا ) (القصص:82) .

فيحيى -عليه السلام- حنانٌ؛ لأنه مِن رحمته -عز وجل- وتحنُّنه على زكريا -عليه السلام-، فسُمِّي رحمة؛ لأنه كان بسبب الرحمة، ويُسمى الإنسان رحمة، أو يسمى المخلوق رحمة؛ لأنه نشأ عن الرحمة، لا أن المخلوق نفسه هو صفة الله، ولكن يسمى باسم الصفة وهو مخلوق؛ لأنه نشأ عنها.

وهذا كما تقول: هذا خَلْق الله، بمعنى المخلوق، والخلق بمعنى الفعل، فالله -عز وجل- خلق الخلق، وفِعله -سبحانه وتعالى- ليس بمخلوق، كما قال الله -عز وجل- عن المطر: ( فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ) (الروم:50) ، وقال عن الجنة في الحديث القدسي: ( أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي ) (متفق عليه) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ لِلَّهِ مِائَةَ رَحْمَةٍ أَنْزَلَ مِنْهَا رَحْمَةً وَاحِدَةً بَيْنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالْبَهَائِمِ وَالْهَوَامِّ، فَبِهَا يَتَعَاطَفُونَ، وَبِهَا يَتَرَاحَمُونَ، وَبِهَا تَعْطِفُ الْوَحْشُ عَلَى وَلَدِهَا، وَأَخَّرَ اللهُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً، يَرْحَمُ بِهَا عِبَادَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) (متفق عليه) ِ، فكل هذه رحمة مخلوقة، وقد قال الله -عز وجل- عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ) (التوبة:128) ، فالله يجعل مَن شاء مِن عباده رحيمًا.

وأنت أيضًا تقول: "سبحان الله! هذه قدرة الله"، وأنت تقصد آثار القدرة، ولا تقصد مِن ذلك الصفة، وكما أن عيسى -عليه السلام- كلمة الله؛ لأنه كان بكلمة مِن الله، فخلقه الله -سبحانه وتعالى- بكلمة "كن"، وليس أن عيسى -عليه السلام- هو "كن"، وهذا كثير في القرآن.

فالمعنى الأول: ( وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا ) يعني: مِن عند الله -عز وجل-، فيحيى -عليه السلام- حنان ورحمة، رحم الله -عز وجل- بها زكريا.

الصفحة السابقة الصفحة التالية