يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ
الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين
قال ابن كثير -رحمه الله-: "وقال عكرمة: ( وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا ) قال: محبة عليه، وقال ابن زيد: أما الحنان فالمحبة. وقال عطاء بن أبي رباح: ( وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا ) قال: تعظيمًا من لدنا. وقال ابن جريج: أخبرني عمرو بن دينار، أنه سمع عكرمة، عن ابن عباس قال: لا والله ما أدري ما ( حَنَانًا ). وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير، عن منصور: سألت سعيد بن جبير عن قوله: ( وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا ) فقال: سألت عنها عباس فلم يحر فيها شيئًا".
وهذا فيه ضعف، والظاهر أن ابن عباس -رضي الله عنهما- قد تكلم في تفسير هذه الآية، ولكن ربما جاء عليه وقت حين سُئِل لم يدر ما يقول أو يرجِّح أي قول من الأقوال المحتملة.
قال ابن كثير -رحمه الله-: "والظاهر مِن هذا السياق أن ( وَحَنَانًا ) معطوف على قوله: ( وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا ) أي: وآتيناه الحكم وحنانًا. ( وَزكَاةً ) أي: وجعلناه ذا حنان وزكاة، فالحنان هو المحبة في شفق وميل، كما تقول العرب: حنَّت الناقة على ولدها، وحنت المرأة على زوجها، ومنه سميت المرأة حَنَّة مِن الحَنَّة، وحنَّ الرجلُ إلى وطنِهِ، ومنه التعطُّف والرحمة، كما قال الشاعر:
تحننْ عليَّ هَداكَ الـمليـكُ فـإن لـكـل مـَقـامٍ مـقــالاً
وفي المسند للإمام أحمد عن أنس -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "يَبْقَى رَجُلٌ فِي النَّارِ يُنَادِي أَلْفَ سَنَةٍ: يَا حَنَّانُ يَا مَنَّانُ"، وقد يُثنَّى، ومنهم مَن يجعل ما ورد مِن ذلك لغة بذاتها، كما قال طرفة:
أبا مـنـذر أفـنـيـت فاستبـق بعــضـنا حنانيك بعض الشر أهون مِن بعض"
فالحَنَان هنا مِن صفة يحيى -عليه السلام-، فهو عنده حنان بالخلق ورحمة بهم، وعنده تعطـُّف على الناس، وهو في الحقيقة أثر مِن آثار رحمة الله به؛ فمَن جعل الله في قلبه رحمة؛ فهذا مِن رحمة الله -عز وجل- به، ومَن جعل الله في قلبه قسوة؛ فهذا مِن عقوبة الله له.
أتظن أن مَن يؤذي الخلق ويعذبهم ويظلمهم يكون مرحومًا؟! لولا أنه أول المعذبين لما جُعِل كذلك، ولذلك سوف تجد الجبار قرين الشقي؛ ولذلك نفى الله عنه أن يكون جبارًا شقيًّا، وجعل الله -عز وجل- في قلبه رحمة فهو مرحوم، وأول المعذَّبين هم الذين يعذِّبون الناس، وأول الأشقياء التعساء الجبارون، وأول مَن يكون في نفسه هالكًا معذبًا شقيًّا تعيسًا في حياته هو الذي يُدخل الأذى على الخلق ويُعذِّبهم، وهذا عدل مِن الله -سبحانه وتعالى-، فمَن يظلم مِن الناس ويؤذيهم ويجبرهم على رأيه وضلاله بلا دليل مِن عند الله -عز وجل- على خطر عظيم.
فمِن تَحَنُّنِ الله على عبده أن يؤتيه حنانًا.
ومِن رحمة الله به أن يجعل في قلبه رحمة، وكما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا أَهْلَ الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ ) (رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وصححه الألباني) ؛ فلولا أن الله يريد أن يرحمهم لما جعل في قلوبهم رحمة.
وقوله -تعالى-: ( مِنْ لَدُنَّا ) مِن أدلة الاجتباء والاصطفاء، فما كان مِن عند الله -عز وجل- فهو غالٍ عظيم القدر ذو فضل، فهذا الحنان إذا أعطيه يحيى بن زكريا مِن عند الله -عز وجل- فهو مِن أعظم ما يُوصف، ومِن أعظم ما يُعطى لإنسان.
(وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا):
قال ابن كثير -رحمه الله-: "وقوله: ( وَزَكَاةً ) معطوف على ( وَحَنَانًا )؛ فالزكاة: هي الطهارة مِن الدنس والآثام والذنوب. وقال قتادة: الزكاة العمل الصالح. وقال الضحاك وابن جريج: العمل الصالح الزكي. وقال العوفي عن ابن عباس: ( وَزَكَاةً ) قال: بركة. ( وَكَانَ تَقِيًّا ): طهر، فلم يعمل بذنب".
والزكاة: طهارة النفس، والصلاح والعمل الصالح، وكلما تطهر الإنسان مِن أمراض القلوب، ومِن أمراض النفس الإنسانية التي مبناها على الظلم والجهل؛ كلما كان أقرب إلى الله -عز وجل-، وكما قال -تعالى-: ( وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلى اللهِ المَصِيرُ ) (فاطر:18) ، فالمقصود هنا زكاة القلوب والنفوس، وأولها: "التوحيد"، كما قال الله -تعالى-: ( وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ . الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ ) (فصلت:6-7) ، قال ابن عباس -رضي الله عنهما- وغير واحد: "الذين لا يشهدون أن لا إله إلا الله"، فهم لا يؤتون زكاة النفوس التي أصلها توحيد الله -عز وجل-.
وقوله -تعالى-: (وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا . وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً): مِن الأدلة على خلق أفعال العباد؛ لأن الفهم والحنان والزكاة مِن أفعال العبد؛ فالعبد يفهم، والعبد يتحنن ويتعطف، والعبد يتزكى، والله -عز وجل- آتاه ذلك الفهم، وآتاه الحنان، وآتاه الزكاة، وكل ذلك دليل على خلق أفعال العباد.
وقوله -تعالى-: (وَكَانَ تَقِيًّا): التقوى هي: "أن تعمل بطاعة الله على نور مِن الله ترجو ثواب الله، وأن تجتنب معاصي الله على نور مِن الله تخاف عقاب الله"، وتقوى الله -عز وجل- مِن أعظم المنن التي يمنُّ الله بها على عبده.