شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

عذر مَن لم تبلغه الدعوة ومؤاخذة مَن بلغته فأبى واستكبر! (1)

الشيخ عبدالمنعم الشحات • بحوث شرعية

"بيان عذر مَن لم تبلغه الدعوة"

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

تمهيد:

مسألة: "حكم مَن لم تبلغه الحجة" مِن المسائل التي انقسِم فيها الناس كمعظم المسائل أو كلها إلى طرفين غاليين -"وهدى الله أهل السُّنة إلى الموقف الوسط والقصد فيها"-، فمنهم مَن ذهب إلى أن الله يعذِّب الكافر على كفره وإن لم يأته نذير: كالمعتزلة، والماتريدية.

ومنهم مَن بالغ فقال بعذر الكافر الذي بلغته الحجة، ولكنه أعرض عنها؛ طردًا لقاعدة العذر!

وتوسط أهل السُّنة فعذروا مَن لم تبلغه الحجة أو مَن بلغته وهو عاجز عن سماعها: كالأصم الأبكم، أو وهو عاجز عن فهمها: كالمجنون، أو بلغته مشوهة بحيث يكون الذي بلغه عن الرسل أنهم يدعون إلى أقوال شركية مِن جنس ما هو عليه، وربما أفدح، ولا يبلغه أنهم دعوا إلى التوحيد.

وفي ذات الوقت قضوا بكفر مَن بلغته الحجة فأعرض عن سماعها أو استكبر.

ووسطية أهل السنة نابعة مِن اتباعهم للكتاب والسنة، وجمعهم بيْن الأدلة؛ فيفهمون كل دليل على ضوء سائر الأدلة.

وأما تطرف غيرهم فينشأ مِن الإخلال بدعوى الاتباع عن طريق استيراد أفكار مِن آراء وفلسفات، ثم إخضاع الشرع لها مِن حيث يظنون أنهم يخضعونها للشرع؛ وينحازون للأدلة التي تشهد لأصولهم المستوردة.

ولذلك فمِن عجيب أمر هذه التيارات الموسومة بالعقلانية (ونحن نستعمل هذا اللفظ لشيوعه؛ وإلا فنحن لا نقر لهم بأنهم عقلانيون، بل إن ما خالفوا فيه الشرع عند التأمل سنجده مخالف للعقل أيضًا، فإن ما صحت نسبته إلى الشرع لا يمكن أن يُعارِض ما قطع به العقل، وأما ما تحير فيه العقل؛ فالشرع هو أهم وأولى مصادر هداية العقل في تحيره) - نقول: مِن عجيب أمر هذه التيارات العقلانية أنهم قديمًا متمثلين في المعتزلة والماتريدية قد أخذوا جانب "الوعيد" عمومًا مع عصاة المسلمين وقالوا بمؤاخذة مَن لم تبلغه الدعوة مِن الكفار مخالفين بذلك نص القرآن: ( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ) (الإسراء:15) ، كما سيأتي، وهذا تعظيمًا منهم لجانب العقل واعتباره وحدة حجة على العباد دون إرسال الرسل، وربما تمسكوا بنصوص الميثاق والفطرة كما سيأتي -إن شاء الله-.

في حين أن معاصري التيارات العقلانية -ولأن القضية الأكثر إلحاحًا على العقل المعاصِر هي التعايش بيْن الشعوب- ربما يميلون إلى عذر بعض مَن بلغتهم الدعوة في زمن تحول العالم فيه إلى قرية صغيرة، وليت الأمر يقتصر على مَن بلغته الدعوة مشوهة كما كان الحال في أوروبا في العصور الوسطى أو ربما كما هو الحال الآن في بعض القبائل الإفريقية الذين لا يعرفون عن الإسلام إلا أنه ديانة وثنية كديانتهم -وربما أكثر وثنية!-؛ فهؤلاء تقتضي ذات الأدلة عذرهم، ولكن البعض يضيف إلى هذا: الذين بلغتهم الحجة؛ فتركوها عنادًا واستكبارًا.

وفي هذه المقالة نحاول أن نلخص هذه المسألة، وقد استفدت كثيرًا فيها مِن رسالة الماجستير المعنونة بـ"أهل الفترة ومَن في حكمهم" للباحث "موفق أحمد شكري" فيما يتعلق بتلخيص الأدلة والمذاهب المتعلقة بأحكام أهل الفترة، وإن كانت قد أوليتْ اهتمامًا بأقوال العلماء المعاصرين في مسألة حكم كفار أهل هذا الزمان.

تنبيهات:

1- الكلام عن عذر الكافر الذي لم تبلغه الدعوة، وليس عن تسميته؛ فلا خلاف بيْن كل الطوائف بأنه يسمَّى "كافرًا"، ولا خلاف بأنه لا يمكن الحكم بإسلام أحد لا يشهد لله بالوحدانية، وللرسول الذي أرسل إليه بالرسالة، وهذا يعني أنه بعد بعثة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا يمكن أن يُحكم بإسلام مَن لم ينطق بـ"لا إله إلا الله، محمد رسول الله" كما هو مبيَّن في أبواب ما يصير به الكافر مسلمًا.

2- ومحل عذر هؤلاء في الدنيا والآخرة؛ ففي الدنيا لا يعمهم الله بعقاب قبْل إقامة الحجة، وكذلك لا يقاتلهم المسلمون قبْل الدعوة إلى الإسلام، وأما في الآخرة: فمذهب الأشاعرة أنهم "ناجون"، ولكن جماهير فقهاء الأمة على أنهم "يُمتحنون" -كما سيأتي بيانه-.

3- نفس القواعد تنطبق على المسلم الذي جهل بعض تفاصيل الدين، ولكنه يكون مسلمًا معذورًا؛ لثبوت عقد الإسلام له.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "فمعلوم أن الحجة تقوم بالقرآن على مَن بلغه كقوله -تعالى-: ( لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ ) (الأنعام:19) ، فمَن بلغه بعض القرآن دون بعض قامت عليه الحجة بما بلغه مِن القرآن دون ما لم يبلغه؛ فكيف فيمن لم يبلغه جميع نصوص الكتاب فهذا مِن باب أولى" (الجواب الصحيح لمن بدَّل دين المسيح ج 1، ص 310) .

4- نرى دائمًا أن بيان الخلاف بين أهل الحديث (سأستعمل هذا المصطلح لوضوحه عند الجميع) والأشاعرة الذين كان منهم فقهاء وشراح للحديث، وتصدوا مع أهل الحديث للرد على الشيعة والخوارج والفلاسفة - يجب ألا يُشغل به العامة، ولكن للأسف تحاول بعض الجهات أن تربط بيْن أهل الحديث والتكفير!

ويُؤخذ على هذا المسلك عدة أمور:

- ظلم أهل الحديث قديمًا "والسلفية" حديثًا؛ فما تصدى للرد على الخوارج قديمًا و"داعش" وأمثالها حديثًا أكثر مِن السلفيين.

- الاشاعرة مجمعون على أن الماتريدية أحد مذاهب أهل السنة، ومذهب الماتريدية وإن كان موافقًا لمذهب الأشاعرة في الصفات؛ إلا أنه قريب مِن منهج أهل الحديث في أبواب، وقريب جدًّا مِن مذهب المعتزلة في الوعيد، ومنه هذه المسألة؛ فهم يقولون بعدم عذر أهل الفترة.

- رغم الخصومة التاريخية بين المعتزلة والأشاعرة، ورغم خطورة منهج الاعتزال ومسئوليته قديمًا وحديثًا عن محاولات هدم السنة، والتعاون المعتزلي الشيعي الوثيق عبْر التاريخ في هذه المسالة؛ إلا أننا نجد مِن كثير مِن الاشاعرة اليوم نوعًا مِن الهدنة مع المعتزلة في مقابل الحرص على إثارة الخلاف مع أهل الحديث (السلفيين)، بل واتهامهم بالمسئولية عن تيارات التكفير.

الصفحة التالية