عذر مَن لم تبلغه الدعوة ومؤاخذة مَن بلغته فأبى واستكبر! (1)
الشيخ عبدالمنعم الشحات • بحوث شرعية
- يغفل هؤلاء حقيقة تاريخية وهي: أن التيار التكفيري الأول كان "عقلانيًّا" وأن التيار التكفيري الحديث النابع مِن الفكر "القطبي" تيار عقلاني أيضًا؛ فـ"سيد قطب" ملقب عندهم بالمفكِّر وليس بالمحدث، ولا الفقيه، ولا الأصولي، ولا حتى المفسِّر؛ وإن كانت آراء "سيد قطب" قد زادها البعض تطرفًا وألبسها ثوب نصوص سلفية؛ مما أوهم الكثيرين أن بذرة فكر التكفير عن سيد قطب بذرة سلفية، وهي ليست كذلك، بل هي فكرة عقلانية بامتياز، بل لا نكون مبالغين إذا قلنا إنها عين فكرة الخوارج والمعتزلة في تصورهم أن الإيمان كلٌ لا يتبعض، وأن ذهاب بعض الإيمان يعني ذهابه كله، وعدم تصورهم لمسألة زيادة الإيمان ونقصانه؛ ولذلك اُعتبرت مسألة زيادة الإيمان ونقصانه هي العنوان الأبرز لعقيدة أهل السنة في هذه القضية.
أولاً: حكم أهل الفترة:
يعتبر أهل الفترة هم القسم الأكثر شهرة مِن بين أصناف مَن لم تبلغهم الدعوة أو بلغتهم مع وجود مانع من سماعها أو فهمها، وقد عرَّف ابن كثير -رحمه الله- الفترة فقال: "هي ما بيْن كل نبيين كانقطاع الرسالة بين عيسى عليه السلام، ومحمد -صلى الله عليه وسلم-".
وكما هو واضح من هذا التعريف أنه لا تلازم بين كون الشخص في زمن فترة بين نبيين وبين عدم بلوغ الحجة، وبالتالي لزم التفصيل.
وهذا التفصيل على النحو الآتي:
أقسام أهل الفترة:
ينقسم أهل الفترة إلى قسمين:
القسم الأول: مَن بلغته الدعوة.
القسم الثاني: مَن لم تبلغه الدعوة وبقي على حين غفلة.
ويشمل القسم الأول نوعين، هما:
1 - مَن بلغته الدعوة، ووحّد ولم يشرك.
2 - مَن بلغته الدعوة، ولكنه غيّر وأشرك.
فمن وحّد ولم يشرك بالله شيئًا كـ"قس بن ساعدة الأيادي" الذي ذكره ابن كثير في "البداية والنهاية"، وقسّ هذا له خطبة مشهورة مِن كلماتها: "أقسمَ قسٌّ قسمًا لا ريب فيه أن لله دينًا هو أرضى لكم مِن دينكم".
وكذلك "زيد بن عمرو بن نفيل" الذي كان يقول: "اللهم إني لو أعلم أحبَّ الوجوه إليك عبدتك، ولكني لا أعلم، ثم يسجد على راحلته". وكان يقوِل:
أربـًّا واحـدًا أم ألـفُ رَبٍّ أدين إذا تقسّمت الأمور
وهذا النوع ليس محلًا للنزاع؛ وذلك لورود النصوص التي تدل على أنهم ماتوا على التوحيد.
والنوع الثاني: بلغته الدعوة، ولكنه أشرك وغيّر ولم يوحد، وأمثلة ذلك كثيرة، منها:
1 - عمرو بن لحي: فهو أول مَن سنَّ عبادة الأصنام؛ فبحّر البحيرة، وسيّب السائبة، ووصل الوصيلة، وحمى الحامي، قال فيه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "رأيت عمرو بن لحي بن خندف أخا بني كعب هؤلاء يجر قصبه في النار"، وهذا محمول على أنه غير وبدل وأشرك بعد أن بلغته الدعوة.
2 - وكما ورد في عبد الله بن جدعان: فعن عائشة -رضي الله عنها- أنها سألت النبي -صلى الله عليه وسلم- عن ابن جدعان فقالت: قلت يا رسول الله، ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم ويطعم المسكين فهل ذاك نافعه؟ قال: لا، إنه لم يقل يومًا رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين".
القسم الثاني: (مَن لم تبلغه الدعوة وبقي على حين غفلة مِن هذا كله):
وأكثر أهل الجاهلية من هذا النوع، قال الله -تعالى-: ( لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ ) (يس:6) .
وقال -تعالى-: ( أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ) (السجدة:3) .
وقال -تعالى-: ( وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ) (القصص:46) .
وهذا القِسْم هو محل نزاع بيْن الفرق.
المذاهب المختلفة في حكم مَن لم تبلغه الدعوة مِن أهل الفترة:
انقسم الناس في حق مَن لم تبلغه الدعوة مِن أهل الفترة إلى مذهبين رئيسيين:
الأول: مَن قال إنهم في النار، وهم المعتزلة والماتريدية.
الثاني: أنهم غير معذبين، وهم أهل الحديث والأشاعرة.
ثم اختلف هؤلاء: هل هم ناجون أم لا؟
- فذهب أهل الحديث وبعض الاشاعرة إلى أنهم يمتحنون.
- وذهب جمهور الاشاعرة إلى أنهم ناجون.
استدلالات المعتزلة والماتريدية في القول بمؤاخذة أهل الفترة:
تمسك المعتزلة بأصلهم في قضية التحسين والتقبيح العقليين، ووافقهم على ذلك الماتريدية، ثم إنهم عمدوا لبعض أدلة الشرع فانتزعوا منها ما يمكن أن يصلح شاهدًا لآرائهم لو فُهم بمعزل عن باقي النصوص، ومِن ذلك:
أ- دليل الميثاق.
ب- دليل الفطرة.
ج- الأدلة العامة في مؤاخذ الكفار، مثل قوله -تعالى-: ( وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ) (النساء:18) ، و قوله -تعالى-: ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ) (النساء:48) ، وقوله -تعالى-: ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ) (البقرة:161) .
الإجابة على استدلالات المعتزلة والماتريدية:
أما احتجاجهم بالأدلة الواردة في عذاب الكفار فيجب أن تقيد بالكافر الذي بلغته الحجة؛ جمعًا بيْن النصوص.
وأما استدلالهم بالميثاق والفطرة، فالجواب أن الله قد قضى بتمام رحمته وكمال عدله ألا يعذب أحدًا إلا بعد أن تتم عليه الحجة ببعثة الرسل، فالحجة الرسالية هي القاطعة للعذر، وإلا فلا يعتبر الميثاق ولا الفطرة دليلاً كافيًا؛ وذلك لقوله -تعالى-: ( رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ) (النساء:165) ، كما سيأتي مفصلاً في أدلة أهل السنة في القول بعدم مؤاخذة أهل الفترة.
أدلة أهل السنة على عدم مؤاخذة أهل الفترة:
استدل أهل السنة على عدم مؤاخذة أهل الفترة بأدلة، منها أدلة قرآنية علـَّقت المؤاخذة على إرسال الرسل، فمنها: