عذر مَن لم تبلغه الدعوة ومؤاخذة مَن بلغته فأبى واستكبر! (1)
الشيخ عبدالمنعم الشحات • بحوث شرعية
بل إن الآيات الواردة صراحة في شأن العذاب الدنيوي تدل على نفي العذاب الأخروي مِن باب قياس الأولى، ثم إن هذه الأدلة القرآنية قد عضدت بنصوص مِن السنة ذكرت العذر وزادت تفصيل هيئة هذا العذر، وهو جعلهم يوم القيامة من أهل البلاء والاختبار، ولكن المعتزلة قد أراحو أنفسهم من عناء تأول نصوص السنة وجعلوا لها تأويلاً واحدًا، وهو رفض العمل بأحاديث الآحاد، ووافقهم الاشاعرة على هذا في باب العقائد، وبالتالي لا يستطيع الأشاعرة في معظم الأحيان أن يردوا الرد الحاسم على المعتزلة؛ لأن الشرح والتوضيح والبيان غالبًا ما يوجد في السنة وأغلبه من باب أحاديث الآحاد.
ولا شك أن الأحاديث الواردة في امتحان أهل الفترة قاضية على كل تأويلات المعتزلة في هذا الباب.
وهذا ما سيتضح في المسألة الآتية:
اختلاف أهل الحديث والأشاعرة حول أهل الفترة في الآخرة: هل هم ممتحنون أم ناجون؟
ذهب أهل السنة إلى أن أهل الفترة يُمتحنون في عرصات القيامة بنار يأمرهم الله -سبحانه وتعالى- بدخولها، فمن دخلها كانت عليه بردًا وسلامًا، ومَن لم يدخلها فقد عصى الله -تعالى-، فيدخله الله فيها ووردت في ذلك عدد مِن الأحاديث يأتي ذكرها.
وقد حكى الإمام أبو الحسن الأشعري هذا القول عنهم في مسألة أطفال المشركين (وهي نوع من الأنواع التي جاءت الأحاديث بإثبات الامتحان لهم)، فقال كتاب الإبانة: (وقولنا في أطفال المشركين أن الله -تعالى- يؤجج لهم في الآخرة نارًا، ثم يقول لهم اقتحموها، كما جاءت بذلك الرواية).
وقال في الإبانة أيضًا: (وقد قيل في الخبر: (إن أطفال المشركين تؤجج لهم نار يوم القيامة ثم يقال لهم اقتحموها، فمن اقتحمها أدخله الجنة، ومن لم يقتحمها أدخله النار). وقد قيل في الأطفال، وروي عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إن شئت أسمعتك ضغاءهم في النار".
والجدير بالذكر أن متأخري الاشاعرة يجدون حرجًا بالغًا فيما ورد في كتاب الإبانة مما يخالف ما عليه متكلمو الأشاعرة، فتارة يقولون إن هذا الكتاب كان في بداية تدشينه لمذهبه ووافق فيه أهل الحديث في بعض المسائل، وتارة يقولون إنه وافق فيه أهل الحديث في بعض الأمور استدراجًا لهم! ولكنهم مع ذلك متفقون على مرجعية كتاب مقالات الإسلاميين، وقد قال فيه في حكاية مذهب أهل السنة والجماعة: (وأن الأطفال أمرهم إلى الله، إن شاء عذبهم وإن شاء فعل بهم ما أراد)، وقوله: "وإن شاء فعل بهم ما أراد" إشارة لقول مَن قال مِن أهل السنة أن أطفال المشركين من أهل البلاء والاختبار.
ويقول ابن حجر: (فقد صحت مسألة الامتحان في حق من مات في الفترة والمجنون).
وقد خالف الاشاعرة في ذلك فقالوا إن أهل الفترة ناجون، وردوا الأحاديث بأنها أحاديث آحاد كما سيأتي بيانه.
الأدلة على أن أهل الفترة يمتحنون يوم القيامة
استدل هؤلاء الأئمة على ما ذهبوا إليه بما يلي:
1- الحديث الذي أورده أحمد في مسنده عن الأسود بن سريع، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "أربعة يحتجون يوم القيامة، رجل لا يسمع شيئًا، ورجل أحمق، ورجل هرم، ورجل مات في الفترة. فأما الأصم فيقول: رَبِّ، قد جاء الإِسلام وما أسمع شيئًا، وأما الأحمق فيقول: رب، قد جاء الإِسلام والصبيان يحذفونني بالبعر، وأما الهرم فيقول: لقد جاء الإِسلام وما أعقل شيئًا، وأما الذي مات في الفترة فيقول: رب، ما أتاني كتاب ولا رسول، فيأخذ مواثيقهم ليطيعنّه، فيرسل إليهم أن ادخلوا النار، فوالذي نفس محمد بيده لو دخلوها لكانت عليهم بردًا وسلامًا".
2- الحديث الذي يرويه أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "يؤتى بأربعة يوم القيامة، بالمولود وبالمعتوه وبمن مات في الفترة وبالشيخ الفاني، كلهم يتكلم بحجته، فيقول الرب -تبارك وتعالى- لعنق من النار ابرزي، فيقول لهم: إني كنت أبعث إلى عبادي رسلاً من أنفسهم وإني رسول نفسي إليكم، قال: ويقول لهم ادخلوا هذه، ويقول من كتب عليه الشقاء: أنى ندخلها ومنها كنا نفر؟! فيقول الله: فأنتم لرسلي أشد تكذيبًا. قال: وأما من كتب عليه السعادة فيمضي فيقتحم فيها، فيدخل هؤلاء الجنة وهؤلاء إلى النار". وفي الباب أحاديث أخرى في ذات المعنى.
اعتراضات الاشاعرة على أحاديث الامتحان والجواب عليها:
على الرغم من أن الآيات التي استدل بها كل من أهل السنة والأشاعرة في عدم المؤاخذة قبل بلوغ دعوة الرسل؛ إلا أنها تركت مجالاً للسؤال، وهو: إذا لم يكونوا مؤاخذين فماذا سيكون حالهم؟!
وقد تقدم أن أهل الحديث أخذوا بالأحاديث التي بينت أنهم من أهل الاختبار.
وأما الاشاعرة فقد تجشموا عناء القول بأنهم (ناجون)، وقد لاحظت أن جل مؤلفاتهم تستعمل هذا اللفظ دون التصريح بأنهم في الجنة، وكأنهم تحاشوا استعمال هذا اللفظ الصريح، ولكن ما الذي منعهم من القول بدلالة أحاديث الامتحان.
وقد استشكل الأشاعرة هذه الأحاديث مِن جهتين:
الأولى: أنها أحاديث آحاد ولا يُعمل بها في العقيدة.
الثانية: أنها معارضة لما تقرر أن الآخرة دار جزاء وليست دار عمل.
والمسالة الأولى مسألة كلية مِن قواعد الاستدلال، ولا يمكن أن نصلي ونزكي ونصوم، ونستحل الفروج، ونوجب حقًّا معلومًا في الأموال بأحاديث الآحاد ثم لا ترقى تلك الأحاديث لتخبرنا عن مصير الكافر الذي لم تبلغه الحجة يوم القيامة؛ لا سيما وهي لا تثبت حكمًا استقلالاً (ولو كان كذلك لوجب التسليم لها)، ولكنها مفسرة ومبينة لما ورد في القرآن.