عذر مَن لم تبلغه الدعوة ومؤاخذة مَن بلغته فأبى واستكبر! (1)
الشيخ عبدالمنعم الشحات • بحوث شرعية
1- قوله -تعالى-: ( مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ) (الإسراء:15) .
2- قوله -تعالى-: ( رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ) (النساء:165) .
3- قوله -تعالى-: ( كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ . قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ ) (الملك:8-9)، وفي معناها الكثير مِن الآيات.
4- قوله -تعالى-: ( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) (المائدة:19) .
5- قوله -تعالى-: ( وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ ) (القصص:59) .
كما احتجوا بجملة مِن الأحاديث التي بيَّنت أن الحكمة مِن إرسال الرسل هي إقامة الحجة على العباد، منها:
الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "ما من أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك أرسل الرسل وأنزل الكتب". وفي رواية أخرى: "وما أحد أحب إليه المدح من الله، من أجل ذلك مدح نفسه، وما من أحد أغير من الله، من أجل ذلك حرّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن".
وثمَّ أدلة أخرى تفصيلية بينت عذر هؤلاء، وزادت عليه بيان صفة عذرهم وحكم الله فيهم بجعلهم مِن أهل الاختبار في الآخرة، وسنتناولها في المسألة التالية في بيان حجة أهل السنة في هذه المسألة والرد على الأشاعرة في إنكارهم لهذه الأحاديث.
ردود المعتزلة والماتريدية على هذه النصوص وتفنيدها
فائدة في منهج المعتزلة عمومًا في التعامل مع ظواهر النصوص:
مشكلة المعتزلة الرئيسية أنهم متى تشبعوا بفكرة ما اعتبروها قطعيات عقلية، وفي ظنهم أنه ليس في الشرع شيء عقلي إلا ما كان قطعي الثبوت قطعي الدلالة في ظنهم، ثم يقصِرون قطعي الثبوت على القرآن والحديث المتواتر، ويغفلون أن أحاديث الآحاد قد تحتف بها قرائن تجعلها مِن باب قطعي الثبوت، كما يقصِرون قطعي الدلالة على دلالة "النص" ويغفلون أن عند السلف وعند محققي الأصول "وعلى رأسهم الإمام الشافعي" فإن الفرق بين دلالة الظاهر ودلالة النص لا تعني إلا أن يستفرغ المجتهد وسعه قبْل إعمال دلالة الظاهر في البحث هل وجد دليل صحيح يوجب التأويل أم لا؟ كتخصيص العام وتقييد المطلق أو غيرها، فإذا لم يجد؛ كان هذا الظاهر بقوة النص، ولذلك بدَّع السلف الخوارج لمخالفتهم ظواهر النصوص التي تقضي بإسلام مرتكب الكبيرة، وعدوا بعض مسائل الفقه مِن الخلاف غير السائغ؛ لمخالفتها ظواهر النصوص، بل إن الإجماع والقياس وغيرهما مِن مصادر الأدلة قد تحتف بها قرائن فتجعلها من قطعية الدلالة (يراجع في ذلك كتاب القطع والظن عند الأصوليين للدكتور سعد الشثري) .
فهذا مِن جهة سوء ظن المعتزلة بأدلة الشرع وتعاملهم معها على أنها كلها إلا قليلاً قابلة للتأويل، وفي المقابل يغلو المعتزلة جدًّا في نتاج عقول كبرائهم فيصفونها بالقطعيات العقلية بينما هي استنباطات قد تصيب حينًا وتخطئ أحيانًا، وفي حال صحتها فإنه مِن النادر أن تكون من باب القطعيات العقلية؛ وإلا لما تنازع معظم "العقلاء" فيها.
وفي مسألة الوجوب والحظر العقليين نجد مثلاً أن المعتزلة يستغرقون في حُسن التوحيد وقبح الشرك، وهذا جيد ولكنهم يخرجون منه بقاعدة الوجوب والحظر العقليين.
وهم في هذا يتجاوزون قضيتين عقليتين أيضًا:
الأولى: أنه ليست كل المسائل بظهور قضية التوحيد وما يضاده مِن الشرك أو شكر المنعم، وما يضاده من جحوده.
الثانية: وهي الأهم أنه لا يلزم من كون العقل يقدر على إدراك هذا أن يكلفه الله به، ويجوز (عقلاً) وهو الواقع (شرعًا) ألا يحاسب الله الناس إلا بعد أن يقيم عليهم حجة أخرى؛ لا سيما وأن عقولاً بشرية كثيرة تنحرف حتى في الحقيقة الكبرى في هذا العالم (وجود الله) فيموهون على بعض الناس باطلهم بشبهات عقلية يظنها أتباعهم أيضًا (قطعيات عقلية!)، واقتضت رحمة الله ألا يؤاخذهم حتى يبعث لهم رسلاً لينفضوا الغبار عن الفطرة ويذكرونهم بالميثاق، ويدحضوا الشبهات؛ فبهم تتم الحجة على العباد.
ونخلص مِن هذا أن المعتزلة لا يعتنون كثيرًا بالتأويلات التي يتأولون بها النصوص؛ لأن القضية محسومة لديهم بوجوب إعمال ما توهموه قطعيات عقلية، وبتطبيق هذا على النصوص الواردة في عدم المؤاخذة إلا بعد إرسال الرسل.
- تمسك المعتزلة بآثار عن بعض السلف حملت قوله -تعالى-: ( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ) على عذاب الدنيا، وهذا ليس نصًّا في محل النزاع؛ لأنه معروف أن السلف قد يفسرون الآية ببعض ما تدل عليه، ثم إن مِن الآيات التي في هذا المعنى ما هو صريح في باب عذاب الدنيا مثل قوله -تعالى-: ( وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ ) (القصص:59) ، وبعضها مطلق فيجب أن يحمل على إطلاقه مثل قوله -تعالى-: ( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ) فكما لم يتأتى لهم ما ذكروه على هذين النوعين، فلن يتأتى على الآيات المصرحة بأمر الآخرة مثل قوله -تعالى-: ( كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ ).